مع كل يوم جديد يثبت لنا النظام الإيراني أن مفهوم السلم والسلام والتعايش البنّاء مع الآخرين ليس ضمن مفاهيمه مطلقاً، ويثبت أنه قائم على عقيدة عدوانية راسخة ومتأصلة في أدبياته لتحقيق أهداف لا يمكن أن تتحقّق مهما كانت الوسائل التي يستخدمها. منذ نصف قرن وهو يسخّر كل إمكانات إيران لتحقيق أحلام لا يمكن أن تتحوّل إلى واقع في هذا العالم الحديث الذي تمثله دول وطنية مستقلة لها سيادتها ومشاريعها التنموية، ولها قدراتها العسكرية التي تستند إلى عقيدة وطنية ملزمة بحماية أمنها، وتربطها ببقية دول العالم علاقات تؤطرها المنافع المشتركة والشراكات المتبادلة والتعاون الإيجابي، وحل الخلافات والأزمات بالأساليب الدبلوماسية والتفاهم العقلاني للوصول إلى نقاط تفاهم مشتركة.

كل ما حققه النظام الثوري إلى الآن هو تكوين مليشيات ولائية في محيطه لم تستطع تحقيق أي هدف من أهدافه الرئيسية الكبرى، صحيح أنها تسبّبت في متاعب لبعض الدول، ولكنها تظل كيانات غير شرعية مرفوضة من الداخل والخارج، وغير معترف بها في القانون الدولي، ومصنّفة كمنظمات خارجة على شرعية الدولة، وتندرج تحت تعريف الإرهاب بسبب طبيعة ممارساتها. مليشيات لا تستطيع أبداً أن تكون بديلاً للدولة الوطنية، ولا تستطيع فرض معادلات جديدة قابلة للاستمرار أو واقع قسري يكسر ثوابت الديموغرافيا والجغرافيا وتراكم التأريخ الوطني وفطرة الانتماء الإنساني إلى فكرة الوطن.

نصف قرن والنظام الثوري الإيراني يستهلك كل مقدّرات وموارد وعقول إيران لتحقيق فكرة تدخل ضمن الهلوسات العقلية، أو تهيؤات الشيزوفرينيا. يريد بسط نفوذه على دول قائمة وإدارتها كملحقات تابعة له لتحقيق وهم إمبراطوريته التوسعية، بوسائل التخريب والفوضى والدسائس والمكر والخداع وإشعال بؤر التوتر والنزاع، وتنشيط داء المذهبية والعرقية، لكنه فشل في تحقيق نتيجة استراتيجية توازي خساراته الفادحة على كل الأصعدة. أذرعه بدأت في الانحسار وسوف تتلاشى. لبنان في مرحلة التخلص من حزب الله، واليمن سوف يتخلص عاجلاً أو آجلا من جماعة الحوثي، والعراق الذي يعاني كثيراً الآن من مليشياتها الموالية بدأ طريقه على مسار الدولة الوطنية وسوف يستعيدها وإن طال الوقت، كما أنها - أي إيران - تواجه حرباً مدمرة من أقوى دولة في العالم، بتضامن من بقية دول العالم التي تضررت من ممارساتها التي انعكست على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.

فكرة الدولة التوسعية جغرافياً لم يعد لها مكان في عالم اليوم. فكرة انقرضت لصالح تداخل العالم وتعايشه بثقافاته وأديانه ومعتقداته المختلفة، كما أن التوسعية الآيديولوجية لم يعد لها مكان أيضاً. انتهت وتلاشت من العالم آيديولوجيات كبرى رغم أن فيها جزءاً ولو يسيراً مما يمكن للعقل استيعابه، فكيف بآيديولوجيا ضد المنطق وضد العقل والفكر، وضد أبسط قواعد الحياة والتعايش في هذا العصر.

النظام الإيراني منذ قيامه يُهدر بشكل جنوني كل الفرص التي تسنح له وتمنحه فرصة البقاء بشكل مقبول، وربما هو يعيش الآن اختبار الفرصة الأخيرة، فهل يستغلها بشكل عقلاني أم يمضي في طريق الانتحار؟