يخطئ، ويجافي الصّواب كلّ من ينظر إلى «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، التي وقّعتها المملكة مع باكستان وتركيا، يوم الجمعة الماضي، بوصفها تحالفاً مؤقتاً اقتضته ظروف الصراع الدائر في المنطقة، وحتّمته فرضية التجييش والمناصرة، إرصاداً لجهة بعينها، أو نذيراً لمحيطها..

وهو فهم منتظر ومتوقّع من قصيري النّظر، من الذاهبين في مسالك «نظرية المؤامرة»، إلى أقصى ما يتشكّل في وعيهم من هواجس وظنون وتخيّلات.

فلو أنّهم نظروا بشمول، وقرأوا سياسة المملكة المعلنة، والقائمة على مبدأ ورؤية «حماية المصالح الوطنية، وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي، والانفتاح على بناء شراكات استراتيجية متوازنة مع مختلف القوى الدولية لخدمة التنمية الاقتصادية والازدهار، عبر دبلوماسية سعودية رائدة، لتحقيق المصالح الوطنية وحمايتها، وتعزيز دور المملكة في إحلال الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة والعالم»، لكفاهم ذلك مؤونة التخرّص، واصطناع سيناريوهات ما أنزل الله بها من سلطان، ولفهموا موقف المملكة الراسخ والداعم للأمن والسلم في المنطقة، ولاستوعبوا كل مساعي المملكة وتغليبها للدبلوماسية في نزع فتيل أيّ أزمة تنشأ في المنطقة، مهما بلغت درجتها، وتناثرت شظاياها، وعمّت بلواها، فقد ظلّت المملكة تحتمل كل هذا «الرشاش» بتغليب صوت الحكمة، والتزام أقصى درجات ضبط النفس.. فمن يدرك كل هذا إدراك وعي؛ فلا بد أن يقرأ هذه الاتفاقية المباركة على ما حملته ديباجتها من كونها «اتفاقية تهدف إلى تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء، وتنصّ على أنّ أيّ هجوم مسلح على أيّ من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع، كما تُعنى الاتفاقية بتطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي بينها».

وإن احتاج «المرتاب» إلى مزيد إيضاح في ذلك فلينظر إن شاء إلى التصريحات البالجة التي عقّب بها وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان بالتأكيد على أن «الاتفاقية لا تمثّل أي توجّه لبناء محور عسكري أو تكتلّ طائفي- مذهبي، وليست مرتبطة بمساعٍ نووية أو سباق تسليح، كما أنّها لا تأتي على حساب علاقات المملكة الاستراتيجية والقوية خليجياً وعربياً ودولياً، وليست تهديداً لأمن أي دولة في المنطقة، ولا تصعيداً في التوتر بين أي دولتين، ولا تلغي أو تحل محل أي اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف بين هذه الدول أو مع الأطراف الأخرى من الدول والمنظمات».. فكل هذه «اللاءات» و«الليسيات» النافية، التي صرّح بها وزير الخارجية، رسائل تطمينية لمن ألقى السمع وهو شهيد، كما أنها تمثّل في الوقت نفسه، «إبر تنفيس» لكلّ من انتفخ باطنه بغازات الحقد والظنون والهواجس. إن مقتضيات العقل البسيط تضع المرتابين والمشككين في ناصع أهداف الاتفاقية، و«تفتيشهم» في طواياها بمجس الهواجس، في حرج كلما نظروا إليها بوصفها «تحالفاً يستهدف جهات بعينها»، داعمين هذه الهواجس، بمستجدات الواقع في المنطقة، وذلك من وجهين:

أولهما: لو نظرنا إلى المملكة قبل توقيع هذه الاتفاقية لوجدنا أنّها، وقبل أيام قليلة، استطاعت، بدبلوماسيتها الفذة، أن توقف هجوماً كاسحاً أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على إيران، فجاء تحرّك المملكة بقيادة ربّانها ولي العهد الأمين، بما عُرف عنه من صائب الحكمة، ونافذ القول، ونجحت دبلوماسية المملكة في إيقاف الهجوم الوشيك، ودفع عملية المفاوضات، وتغليب خيار الذهاب باتجاه التوصل إلى اتفاق يجنّب المنطقة حرباً إقليميةً لا ضابط لنواتجها مع مرور الزمن.

يُضاف إلى ذلك التزامها مبدأ «ضبط النفس» وقد أُقحمت في هذه الحرب، وأُستهدفت أعيانها المدنية بشكل مستفز ومتكرر، فلو أنها أرادت الرد بالمثل لما أعجزها، ولو أنها أرادت استثارة الدول لنصرتها فما عَدَتِ الحق ولا تجاوزت المطلوب، استناداً لمواثيق الأمم المتحدة وأعرافها، لكنها تعالت على الجراح، ونظرت إلى أفق لا يراه المغامرون.

تلك هي مواقف المملكة وقيادتها الرشيدة، فلا مجال إذاً، إلى النظر بعين الريبة لخطوة توقيعها اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان وتركيا، وإنما هي، كغيرها من الاتفاقيات المشتركة، ضوابطها منضوية في مسطور أهدافها، بغير مزيد أو تحريف أو تأويل فاسد.

أما وجه الحرج الآخر الذي يواجه «المرتابين والمشككين» فمتعلّق بواقع الدولتين الموقعتين، فكلتاهما تنتهجان مبدأ الوساطة والحياد لتهيئة الظروف نحو نزع فتيل الأزمة القائمة بسبب هذه الحرب، وسحب أطرافها إلى طاولة الحوار، وتقريب وجهات النظر بينها، وكل هذه المؤشرات تنسف بشكل جذري الاعتقاد بأنهما سيكونان طرفاً مؤيداً لجهة دون أخرى في الصراع الدائر، ناهيك أن يشتركا في عمليات عسكرية، بإدراكهما أن مثل هذا المسلك يعني بالضرورة الذهاب إلى حرب إقليمية، لا يُؤمن معها أن تتطور إلى أكبر من ذلك.

تبعاً لكل ذلك، فما من سبيل للنظر إلى هذه الاتفاقية إلا على الوجه المعلن عنه، والأهداف الوضيئة التي صدعت بها، بما يعكس حرص الدول الثلاث على تعزيز أمنها المشترك، وتحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم، سعياً إلى مستقبل آمن ومزدهر، غير غافلين البعد العميق الذي تخيّرته المملكة بالنظر إلى توقيت الاتفاقية المتزامن مع المتغيّرات والتحديات التي تعيشها المنطقة، ومكان توقيعها في مكة المكرمة، بكل رمزيتها القدسية، فكلا التقديرين يحملان أهمية بالغة وكبيرة للعالم الإسلامي والمنطقة، وهذا نجاح وبعد نظر يحسب للمملكة وقيادتها، فلا غرو أن تجد هذا الترحيب الكبير حول الاتفاقية، والفهم المشترك لها والتأكيد على أنها ستسهم في تعزيز التعاون الأمني والدفاعي، وتدفع إلى مزيد من التطوير في المشاريع المشتركة المتصلة بالصناعات الدفاعية ومكافحة الإرهاب.