في خضمّ الرمال المتحركة للتحوّلات الجيوسياسية في منطقتنا، التي لا تكتفي بالوقوف على صفيح ساخن، بل إنها تتأرجح حرفياً على صفيح «جهنمين»: الأول، صراعاتُ المنطقة وحروبها العبثية التي أبت أن تتوقف، وسباق نفوذ تفتحه قوى لا تتقن سوى إشعال الحرائق وترك الرماد خلفها. والثاني، ذلك «العملاق النائم» في شكل «بركان» الذي تربض فوقه مدينة عدن. وكم هو ممعنٌ في «شر البلية ما يضحك» أن نتذكر هنا مقولة عالم البراكين البريطاني الشهير «I.G. Gass»، الذي درس جيولوجيا المنطقة ووصف ثوران بركان عدن التاريخي، بأنه سيجعل من ثوران البراكين الأخرى تبدو كـ«ألعاب نارية»!

ومن هنا، برز «حلف مكة» الجديد بين السعودية، وتركيا، وباكستان كحدث لم يكن العبور فوقه تحليلياً خياراً ذكياً. لقد سارع الكثير من المحللين إلى وضع هذا التحالف في قوالب «الردع العسكري التقليدي» الجاهزة، واصفين إياه بأنه مجرد جدار صدّ في وجه التمدّد الإيراني. لكن، نظرة فاحصة على هذا المولود الجيوسياسي، وضمن رؤيته كـ«إدارة إطفاء» إقليمية ذكية تسعى لإقناع طهران بالعدول عن إشعال «الألعاب النارية» السياسية والعسكرية في المنطقة، تكشف عن دهاء استراتيجي أعمق بكثير من فكرة «المواجهة بحد السيف».

إن ما يحدث ليس بناء «جدار»، بل هو هندسة دقيقة لـ «قفص ذهبي»، أعدته القوى الثلاث بعناية فائقة لاستيعاب طهران، ليس عبر كسرها عسكرياً، بل عبر مأسسة سلوكها وتقييد طموحاتها بشبكة من المصالح الواقعية.

فك شفرة الدهاء: مأسسة الخصوم

(Institutional Enmeshment):

هذا هو المصطلح المفتاحي الذي غفل عنه الكثير من المحللين. في علم العلوم السياسية، لا تعني القوة دائماً تدمير الخصم، بل تعني غالباً القدرة على إعادة تشكيل بيئته بحيث يصبح خيار العدوان لديه هو الخيار الأعلى كلفة والأقل جدوى.

ولنا في التاريخ القريب مثال ساطع و«منطقي» جداً يوضح هذه الإستراتيجية وهو: كيف تعامل الغرب مع ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية؟

لم يكن الحل في الخوف من إعادة نهوض ألمانيا كتهديد عسكري هو تدميرها كلياً أو عزلها للأبد، بل كان الحل في مأسستها. عبر دمجها في حلف شمال الأطلسي (NATO) والجماعة الأوروبية للفحم والصلب -الاتحاد الأوروبي فيما بعد-، تم تقييد جيشها ضمن هيكل قيادة مشترك، وربط اقتصادها (عصب الحرب) باقتصادات جيرانها بشكل لا يقبل الانفصام. هذه «المأسسة» جعلت شن ألمانيا لحرب أخرى أمراً مستحيلاً عملياً ولوجستياً، ومكلفاً جداً اقتصادياً وسياسياً. هكذا، تم تحويل «الخصم المحتمل» عسكرياً إلى «شريك أساسي» في الأمن والازدهار الأوروبي.

هندسة «القفص الذهبي» لإيران:

بالمقارنة، يتبنى حلف مكة الإستراتيجية نفسها تجاه إيران، لكن بأدوات مختلفة تناسب جغرافيا وثقافة المنطقة. التحالف لا يسعى لحرب استباقية، بل يخلق واقعاً إجبارياً يطوق الطموح الإيراني بـ «مؤسسة» من عناصر القوة التي أعدتها الدول الثلاث بعناية:

النفوذ و«الجذب» السعودي: لا تقتصر القوة السعودية هنا على المال فحسب، بل على مكانتها الروحية والاقتصادية، وقدرتها على حشد الشرعية الدولية والإقليمية. هي قوة «جذب» تجعل الخروج من عباءة التفاهم معها انعزالاً باهظاً.

المظلة والردع النووي الباكستاني: بوجود إسلام أباد، يكتسب التحالف بُعداً رادعاً استراتيجياً حاسماً يضع حداً نهائياً لأي طموح توسعي إيراني قد يفكّر في تجاوز الخطوط الحمراء عسكرياً.

الدرونز والتفوق التقني التركي: تضيف أنقرة للتحالف ذراعاً عسكرية مرنة ومتقدّمة تكنولوجياً، قادرة على توفير استجابة سريعة ودقيقة لأي تهديدات دون الحاجة لتورط عسكري ميداني واسع.

المسار إلى «العقلنة» استراتيجياً وضم الخصم:

بهذا المزيج المرعب من «الصلابة النووية» و«المرونة التقنية» و«الجاذبية الاقتصادية»، يضع التحالف طهران أمام حقيقة جيوسياسية جديدة، تقودها إلى حالة من «العقلنة استراتيجياً» (Strategic Rationalization) عبر مفاوضات جادة تدرك فيها حدود قوتها.

وهنا تكمن قمة الدهاء: ذروة الاحتواء لا تأتي بعزل إيران نهائياً أو بكسر نظامها، بل قد تأتي، في نهاية المطاف، بشكل ضم إيران كشريك إلى منظومة أمنية وتكاملية إقليمية جديدة، مشروطة بالتزام تام وكلي بقواعد اللعبة الجديدة: «احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية». حينها، ستكون مكاسب الاندماج والازدهار لطهران أعلى بكثير من تكلفة الانعزالية والمواجهة.

إن حلف مكة هو إعلان عن نضج جيوسياسي عربي-تركي-باكستاني، يفضل هندسة السلام عبر القوة الذكية (smart power)، على الانجرار لمواجهات عبثية لا رابح فيها، محاولاً إعادة صياغة الشرق الأوسط بقواعد لعبة تجعل السلم مصلحة الجميع، والعدوان انتحاراً لصاحبه.