لم تنجح السردية الخليجية في تقديم مفهوم متماسك لما هو خليجي. فهي لم تستوعب التنوع الطبيعي للمجتمعات في المنطقة. بخلاف الهوية العربية التقليدية قبل تعرّضها للتفكيك الذي أصابها نتيجة السردية الغربية التي سرقت تاريخ المنطقة وشوّهت هويتها العربية التي تقوم على وحدة اللغة والتاريخ أكثر من كونها هوية عرقية ضيقة. ولا شك أن التوظيف السياسي الذي استخدمها كأدوات للبقاء، حوّل القومية إلى شعارات، والطائفية إلى هندسة ديموغرافية.
منطقة الخليج لها تاريخ قديم (حضارة دلمون، مجان، الممالك العربية قبل الإسلام، ودور المنطقة في التجارة البحرية)، ولها تاريخ معاصر (الإمارات المتصالحة، الكويت كمركز تجاري، ظهور النفط). المشكلة ليست في غياب التاريخ، بل في الاختيار الانتقائي له وفي توظيفه، وليس في عدم وجوده.
السردية الحالية لا تملك تاريخاً قديماً ومعاصراً في وعيها الذاتي، بسبب الانتقائية والتوظيف السياسي. لأن التاريخ كموضوع وجودي موجود، لكن السردية هي التي تتعامى عنه أو تنتقيه. ولا تكشف السردية الخليجية عن تنوع مجتمعات المنطقة وجغرافيتها وامتدادها بين بحر وصحراء، وتنوعها الطبيعي الزراعي والاقتصادي والاجتماعي. إن اختزال المنطقة في تسمية الخليج، واستبعاد الامتدادات الطبيعية نحو بحر العرب والمحيط الهندي، جعل السردية متجزئة وفقيرة، منغلقة على شريطها الساحلي، مقارنة بالفضاء الثقافي الأوسع الذي كانت المنطقة جزءاً منه.
تعاني الهوية الخليجية من أزمة التأصيل، حيث لم تنجح في ترجمة الماضي، وفشلت في امتلاك المفاهيم الخاصة بالمستقبل. صناعة هوية خليجية تحتاج إلى أسس حقيقية تقوم على أرضية صلبة. السلطة والإعلام وحدهما لا يخلقان هوية خليجية حقيقية، بل ينتجان خطاباً آنياً يذوب بمجرد تغيّر الظروف. الهويات تتشكّل عبر طبقات متعاقبة، وتعيد بناء ماضيها باستمرار. والمشكلة الخليجية ليست في غياب التاريخ، بل في قطيعته مع مرحلة ما قبل النفط، وفي تسطيح السردية الرسمية التي تهمّش الأدوار الثقافية والفكرية والاقتصادية القديمة.
لكن الأخطر من أزمة التأصيل هي أزمة التجربة المعاشة. فالفرد الخليجي اليوم يعيش هوية مزدوجة: هوية رسمية تفرضها المناسبات والأعلام، وهوية يومية تعيش في اللهجة والذاكرة العائلية والممارسات الاجتماعية. وهاتان الهويتان نادراً ما تلتقيان. وهذا الانفصام بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش هو ما يجعل الهوية الخليجية هشّة، لأنها لا تُختبر في التفاصيل اليومية، بل تُستهلك في الاحتفالات.
ليست هذه الأزمة حكراً على الخليج. فقد عانت دول أخرى من قطيعة مشابهة بين الماضي والحاضر، مثل تجربة المكسيك بعد الثورة، أو تجربة الهند ما بعد الاستعمار، أو حتى تجربة أوروبا الشرقية بعد انهيار الكتلة السوفياتية. لكن الفارق أن تلك التجارب أنتجت خطاباً نقدياً ومؤسسات بحثية وأدباً وسينما حاولت إعادة بناء الجسور بين الماضي والمستقبل. أما في الخليج، فالسردية الرسمية ما زالت تتعامل مع النقد باعتباره تهديداً، لا كأداة بناء.
السردية الخليجية لا تعاني من غياب التاريخ، بل من تسييس الذاكرة وإخضاعها لبراغماتية السلطة. وهي ليست فقيرة التنوع بقدر ما هي مهملة التنوع في خطابها الرسمي. والحل ليس في رفض المشروع الخليجي فقط، بل في تعميقه بمراجعة نقدية تعيد الاعتبار للتواريخ المحلية، وللمفكرين والأدباء، وللتجارب الاجتماعية قبل النفط، وللعلاقة بالفضاء العربي والإسلامي الأوسع.


