جاءت منصة القبول الموحد خطوةً مهمة نحو تطوير منظومة القبول الجامعي، انطلاقاً من هدف وطني يتمثل في تحقيق تكافؤ الفرص بين جميع خريجي المرحلة الثانوية، وإتاحة التنافس على المقاعد الدراسية في الجامعات الحكومية وفق معايير موحدة، بما يعزز العدالة والشفافية ويرفع كفاءة استثمار المقاعد الجامعية، وهو توجه ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.


غير أن نجاح أي سياسة عامة لا يُقاس بسلامة أهدافها أو كفاءة إجراءاتها فحسب، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين الكفاءة التشغيلية والأثر الاجتماعي والتنموي. ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل يتحقق تكافؤ الفرص بإتاحة المنافسة على جميع المقاعد الجامعية فحسب، أم ينبغي أن يمتد ليشمل تمكين الطالب من الدراسة في الجامعة الأقرب متى توافر فيها التخصص نفسه؟


ومع تطبيق سياسات القبول الحالية، برز انتقال أعداد من الطلاب والطالبات إلى جامعات تبعد مئات الكيلومترات عن أسرهم، رغم وجود جامعات في مناطقهم تقدم تخصصات مماثلة أو متقاربة. وقد ترتب على ذلك أعباء مالية إضافية على الأسر، تشمل السكن، والتنقل، وتكاليف المعيشة، إلى جانب آثار نفسية واجتماعية، خاصة لدى خريجي المرحلة الثانوية الذين لا يزالون في مرحلة تحتاج إلى المتابعة والاحتواء الأسري. كما أن انتقال الطالبات إلى مناطق بعيدة يفرض اعتبارات اجتماعية تستحق أن تؤخذ في الحسبان متى لم يكن الانتقال مرتبطاً بتخصص نوعي لا يتوافر في الجامعة الأقرب.


كما أفرزت التجربة ارتفاعاً في حالات الانسحاب بعد إعلان القبول بسبب بُعد الجامعة أو ارتفاع تكاليف الانتقال، مما اضطر الجامعات إلى إعادة شغل المقاعد عبر مراحل قبول إضافية، وهو ما استهلك وقتاً وجهداً إدارياً كان بالإمكان الحد منه.


ومن زاوية أخرى، بدأت بعض الأسر، خاصة في المناطق الحدودية، تتجه إلى إلحاق أبنائها – على نفقتها الخاصة – بجامعات في الدول المجاورة لقربها الجغرافي وانخفاض تكلفتها مقارنة بانتقالهم إلى جامعات بعيدة داخل المملكة. وهذه الظاهرة، إن وجدت على نطاق مؤثر، تستحق الدراسة من الجوانب التعليمية والاجتماعية والاقتصادية، كما تستدعي النظر في آثارها المحتملة على ارتباط الطلبة بالبيئة التعليمية الوطنية، وما قد يترتب عليها من اعتبارات فكرية وثقافية وأمنية.


ولعل المرحلة المقبلة تستدعي إجراء تقييم وطني شامل لسياسات القبول الجامعي، يقيس أثرها على استقرار الطلبة والأسر، ومعدلات الانسحاب، والتكاليف الاقتصادية، والتنمية المحلية، إلى جانب مؤشرات كفاءة إشغال المقاعد. فالمؤشرات التشغيلية وحدها لا تكفي للحكم على نجاح أي سياسة عامة، ما لم تُقس آثارها الفعلية على المجتمع والتنمية.


وبناءً على نتائج هذا التقييم، يمكن دراسة تبني نموذج أكثر توازنًا في سياسات القبول، يحقق المواءمة بين المنافسة الوطنية والاستقرار الأسري، وذلك من خلال تخصيص حد أدنى من المقاعد لأبناء المنطقة التي تقع فيها الجامعة – ولتكن على سبيل المثال 0 – متى استوفوا شروط القبول، مع إبقاء بقية المقاعد مفتوحة للتنافس بين جميع خريجي الثانوية على مستوى المملكة. ومن شأن هذا النموذج أن يحافظ على مبدأ تكافؤ الفرص، ويعزز الاستفادة من الجامعات في خدمة مجتمعاتها المحلية، ويحد من انتقال الطلبة إلى مناطق بعيدة دون حاجة أكاديمية، مع استمرار المنافسة الوطنية على بقية المقاعد.


إن مراجعة سياسات القبول لا تعني التقليل من أهمية منصة القبول الموحد، بل تمثل امتداداً لنهج التطوير المستمر الذي تتبناه المملكة. فنجاح منظومة القبول لا يتحقق بشغل المقاعد الجامعية فحسب، وإنما بتحقيق أفضل مواءمة بين العدالة في إتاحة الفرص، والاستقرار الأسري، والاستفادة المثلى من الجامعات الوطنية، ودعم التنمية المتوازنة في جميع مناطق المملكة.