لم تعد صافرة البداية في كأس العالم تعني بدء مباراة في كرة القدم فقط، لكنها باتت تعني بدء تسعين دقيقة من التنافس على الانتباه العالمي.

في الملعب يتنافس فريقان، أما خارج الملعب فتتنافس دول، وثقافات، وهويات، وصور ذهنية، وسرديات وطنية كاملة على مساحة زمنية ثمينة محددة في وعي العالم.

فهل لا تزال كأس العالم بطولة كروية فحسب؟ أم أنها تحوّلت إلى أكبر وأهم منصة عالمية لإعادة توزيع القوة الرمزية بين الدول والشعوب؟

هناك قوة صاعدة يصعب إدراجها في الموازنات العسكرية أو القوائم المالية، لكنها شديدة التأثير وهي قوة صناعة الانطباع، وهو أن تجذب دولةٌ انتباه العالم، وأن تثير إعجابه، وأن تجعل الملايين يبحثون عن اسمها وموقعها وثقافتها وتاريخها، وأن ترتبط في الخيال العالمي بقصة أو قيمة أو إنجاز، وأن تستطيع تقديم أو إعادة تقديم نفسها إلى شعوب لم تكن تعرف عنك إلا القليل، فهذه ليست مجرد نتيجة رياضية، إنها مكسب استراتيجي في سوق الانتباه العالمي.

فمن يربح مساحة في خيال العالم؟

إن القوة الرمزية لأي دولة تبدأ حين تصبح حاضرة في خيال الآخرين. بعض الدول لا تحتاج إلى شرح طويل حتى تستدعي في أذهاننا صورة أو قيمة أو سردية. يكفي ذكر اسمها حتى تتحرك شبكة كاملة من الانطباعات والصور والمعاني. هذه الشبكة لم تتشكل بالمصادفة.

لقد أصبحت المنصات الرياضية العالمية أقصر الطرق فعلاً إلى بناء جزء من «الرصيد الرمزي» في عصر ما بات يعرف بـ«اقتصاد الانتباه». فهدف واحد في مباراة يجعل الملايين ينطقون اسم بلد للمرة الأولى، واحتفال لاعب بطريقة مستمدة من ثقافته قد يتحول إلى مادة بصرية عالمية.

وقميص أو لون أو رقصة شعبية أو حركة جماهيرية أو قصة لاعب قد تصبح بوابة يدخل منها العالم إلى هوية شعب بأكمله، من هنا فإن المنتخبات لا تلعب وحدها في كأس العالم، لكن الدول تلعب كذلك، والمنتخب ينافس على النتيجة، لكن الدولة تنافس على المحتوى والسردية. واللاعب يبحث عن المرمى، والمؤسسات الوطنية تبحث عن نافذة إلى الوعي العالمي، المدرب يضع خطة لتسعين دقيقة، فهل هناك من يضع خطة الدولة لاستثمار التسعين دقيقة سردياً؟

إن كأس العالم أكبر غرفة انتباه في العالم، وهي حالة إستراتيجية استثنائية لتكثيف وتركيز الانتباه العالمي. وفي فترة زمنية قصيرة لا تتكرر، لا بد أن نعرف ما الذي نريد أن يعرفه العالم عنا خلالها؟ وما هي القصة التي نريد أن تروى عن بلادنا؟ وما القيمة التي نريد أن ترتبط باسم بلدنا وشعبنا، والصورة التي نريد أن تبقى عالقة في أذهان الجماهير بعد خروج المنتخب، والكلمات التي نريد أن يستخدمها الإعلام العالمي في وصف بلادنا؟

هذه أسئلة لا تخص المدرب ولا اتحاد كرة القدم، إنها أسئلة موجهة إلى مؤسسة مسؤولة عن وضع وصيانة وتشخيص السرديات عن الدولة وشعبها. ولذلك يمكن القول بثقة: «قد تخسر المباراة وتربح العالم»! وفي المقابل يمكن لمنتخب أن يقدّم أداءً رياضياً مدهشاً، وتفشل مؤسسات دولته في تحويل ذلك النجاح إلى قيمة وطنية مستدامة. هنا يظهر الفرق بين الحدث واستثمار الحدث.

حين يحقّق منتخب مفاجأة عالمية، تبدأ نافذة زمنية قصيرة جداً لتساؤلات العالم، لذلك فالسرديات الوطنية لا تُكتب بعد المباراة بل يجب أن تكون جاهزة قبل صافرة البداية. فهل كانت سردياتنا لمنتخباتنا العربية جاهزة في كأس العالم الأخيرة ولماذا؟ وهل نجحنا في تقديم أنفسنا؟ ومَن مِن دولنا استطاعت تحويل المشاركة الرياضية إلى قصة وطنية؟ ومن جهّزت القصص الإنسانية والثقافية والسياحية مسبقاً؟ ومن هيأت اللاعبين السرديين، لا مجرد نجوم رياضيين؟ فقد يصنع اللاعبون لحظة تاريخية، ثم تكتفي المؤسسات الرسمية بالتهنئة فقط، وإعادة بث الأهداف، وترديد عبارات الفخر.

وهنا بالتحديد، يجب أن تبدأ السردية، فهل هي مسؤولية وزارات الإعلام؟

ربما حان الوقت للاعتراف بأن إدارة الصورة الوطنية والسرديات الدولية أصبحت أكبر من أن تكون «مهمة إعلامية» بالمعنى التقليدي، وزارة الإعلام قد تدير سياسات إعلامية، ووزارة السياحة تروّج للوجهات السياحية، ووزارة الثقافة تقدّم المكوّنات والمنتجات الثقافية، والاتحاد الرياضي يدير المنتخب، والبعثات الدبلوماسية تتحرك في نطاقها.

لكن من يجمع كل ذلك في سردية وطنية واحدة ويشخّص الصورة الذهنية للدولة في العالم ويراقب تحوّلات هذه الصورة ويحدد الفجوة بين الواقع والكيفية التي يرانا بها الآخرون؟

ومن يبني بنك السرديات الوطنية ويحدد السردية المناسبة لكل دولة ولكل شعب ولكل منصة ولكل موقف، ويجهز الدولة للحظات الانتباه الخاطفة ويتدخل عندما يمنح حدث رياضي أو ثقافي أو سياسي الدولة نافذة عالمية لا تتكرر؟

إن الحاجة تتضح يوماً بعد يوم إلى جهاز وطني احترافي للسرديات والصورة الذهنية والقوة الرمزية، ليس جهازاً دعائياً أو مصنعاً للشعارات، وليس إدارة للعلاقات العامة، بل مركز إستراتيجي متعدد التخصصات، يعمل فيه خبراء الإعلام والسياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس السلوكي والبيانات والثقافة والتاريخ واللغات والذكاء الاصطناعي. يقوم بدراسة موقع الدولة في الوعي العالمي ويشخص سردياتها ويبنيها ويصونها ويختبر قدرتها على الانتقال بين الثقافات ويراقب السرديات المضادة ويقيس أثر كل ذلك بمؤشرات علمية.

أظن أننا بحاجة إلى غرفة عمليات سردية تعمل قبل كأس العالم وقبل كل مناسبة عالمية أو إقليمية أو محلية وازنة ومهمة، وتدرس الدول والأسواق الإعلامية واتجاهات البحث واهتمامات الجماهير والصور النمطية السائدة عن الدولة، وتأخذ على عاتقها بناء عشرات القصص القابلة للتداول وبلغات مختلفة، وتدرّب اللاعبين والبعثة والجماهير والمؤثرين على تقديم عناصر الهوية بصورة طبيعية غير مصطنعة، وتربط كل مباراة بفرصة ثقافية أو سياحية أو اقتصادية.

إن من لا يمتلك سرعة سردية توازي سرعة الحدث يخسر الانتباه ولو امتلك الحقيقة والقصة والإنجاز، فكأس العالم إحدى أكبر أسواق السمعة والقوة الرمزية في العالم، فهناك دول تحصد الأهداف في الملعب، ودول تحصد الانتباه، ودول تحصد الإعجاب، ودول تعيد تقديم هويتها، ودول تدخل خيال الشعوب للمرة الأولى، أما الدول التي لا تمتلك سردية جاهزة فقد تشارك، وتفوز، وتحتفل، ثم تغادر المسرح العالمي دون أن تترك قوة رمزية في وعي العالم وأثراً يوازي حجم اللحظة التي مُنحت لها.