أحمد الله أنني لم أفصل شخصاً واحداً في حياتي من عمله، فقد آمنت دائماً أن قطع الأرزاق قرار صعب، ولا يمكن حتى أن يكون آخر الكي، ما لم يكن نتيجة إخلال بالأمانة، وأن منح الفرصة تلو الفرصة، مع التقويم والإصلاح والتدريب، دائماً يغني عن قرارات الفصل!

وقد شكوت مرة لرئيسي الأعلى من كسل أحد الموظفين، فقال لي بكل برود: افصله، فشعرت بقالب ثلج على رأسي، يا إلهي، كيف نطقها بهذه السهولة، ودون تفكير بمصير أسرته والتزاماته المعيشية، ولم أنفذ توصيته، ومع الوقت والتوجيه تعدّل أداء هذا الموظف، بل إنني خسرت مرة وظيفتي لأنني رفضت تنفيذ أمر الإدارة العليا بفصل بعض العاملين في إدارتي، فعوّضني الله عنها، خلال أسبوع واحد فقط، بوظيفة بضعف الراتب!

قد يكون قرار الاستغناء عن الموظفين في بعض المؤسسات المتعثرة جزءاً من إعادة الهيكلة أو التخلص من الديون والأعباء المالية، وهذا مفهوم، لكن يكون الأمر قبيحاً حين يتم الاستغناء عن موظفين تشكّل مرتباتهم أرقاماً صغيرة أمام مرتبات شاغلي الوظائف العليا وامتيازاتهم، بل إن أحد البنوك، لمعالجة تقلّص أرباحه، قام بفصل عشرات الموظفين من ذوي المرتبات المتوسطة والصغيرة، في الوقت الذي منح فيه رئيسه التنفيذي مكافأة بعشرات الملايين، رغم عدم تحقيقه أي نجاح، فحمل الفشل على الموظفين الصغار، وتمّت مكافأة صاحب القرارات التي أدّت إلى الفشل!

قد اُتّهم بأن العاطفة تغلب عليّ، لكن من اللؤم أن تزيد الشركات والمؤسسات أرباحها على حساب أرزاق العاملين لديها، وقد سمعت مليارديراً يتباهى بتقليص أعداد موظفي شركاته، رغم أرباحه الفلكية التي جعلته في قوائم رجال الأعمال الأكثر ثراءً ولم يكن يضره أن يعتبر فتاتها جزءاً من مسؤوليته تجاه المجتمع، وفي المقابل أعرف العديد من رجال الأعمال الأثرياء النبلاء الذين رفضوا تقليص أعداد موظفيهم لتعويض انخفاض هوامش أرباحهم، فهم ينظرون إلى مصالح هؤلاء الموظفين والتزاماتهم بمشاعر إنسانية عميقة!

باختصار.. ما لم يكن فصل الموظف نتيجة إخلال بالأمانة أو عجز مالي، فإنه فصل لشرايين الحياة !