- أقبح شيء في الرياضة هو غياب العدل والمساواة، وأن يتسلل إليك شعور بالظلم، لتتحول اللعبة إلى مهزلة بسبب صافرة حكم. هذه الكرة المستديرة العجيبة والغريبة التي أشغلت العالم بأكمله، حتى باتت محل اهتمام رؤساء الدول، لا تزال تثير التساؤلات حول نزاهتها.
- إن خروج المنتخب المصري بهذه الطريقة يترك في النفوس غصة مريرة، خاصة مع حالة الاستياء العارمة تجاه بعض القرارات التحكيمية وإلغاء الأهداف. ورغم أن المنطق الكروي الصارم يخبرنا أن «الخبرة وثبات اللحظات الأخيرة» هما ما يحسمان مواجهات الكبار في المونديال، إلا أن الحادثة تفتح باباً للنقاش. لقد كسبت مصر احترام العالم بملحمة كروية مشرّفة، بينما أكدت الأرجنتين أن البطل قد يترنح ولكنه يعرف كيف ينجو في توقيت لا يرحم.
- لكن، حين تسيطر على مجريات المباراة وتتقدم بهدفين نظيفين حتى الدقيقة 78، ثم تخسر في الرمق الأخير، يتبادر إلى الأذهان فوراً السؤال الأبرز: أين عدالة كرة القدم؟
- لقد ارتكب الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) أخطاءً فادحة بإسناد المباراة لحكام كان من المفترض إبعادهم عن مثل هذه المواجهات الحساسة. فالحكم الفرنسي «فرانسوا ليتكسير» الذي أدار موقعة الأرجنتين ومصر، كان يُفترض ألا يُكلف بـقيادة اللقاء؛ كونه ينتمي إلى دولة منافسة للأرجنتين، وكان متوقعاً وصول المنتخبين (فرنسا والأرجنتين) إلى النهائي. بل إن الأرجنتينيين أنفسهم احتجوا قبل المباراة على تكليفه. والأصل في مثل هذه المناسبات تجنب تكليف حكام تأهلت منتخبات بلادهم إلى الأدوار النهائية؛ تفادياً للتأويلات والضغوط النفسية التي تؤثر في اللاعبين وتجعلهم لا يتقبلون القرارات، فضلاً عن الضغط النفسي على الحكم نفسه الذي قد يبالغ في عدم مجاملة منافس منتخب بلاده ليثبت نزاهته!
- وهنا نتساءل: ألم يكن لدى «الفيفا» بديل لهذا الحكم؟ وهل كان هو الخيار الأنسب لإدارة هذا اللقاء المصيري؟
- كان المنتخب المصري قاب قوسين أو أدنى من الفوز، لكن التفاصيل التحكيمية الدقيقة أخرجته من البطولة. لقد كان بمقدور الحكم الفرنسي العودة إلى تقنية الفيديو (VAR) قبل احتساب الهدف الثالث للأرجنتين ليتأكد من صحة قراره، لكنه رفض. وقد يكون حكام «الفار» هم المعنيون بالملامة هنا إن كانوا لم يستدعوه لمراجعة اللقطة.
- لا أريد الخوض في تفاصيل التحكيم الدقيقة، لكنها بلا شك كانت عاملاً مؤثراً في خروج «الفراعنة». وبالطبع، فإن كرة القدم لعبة تكاملية؛ فلربما ضمن لاعبو مصر النتيجة بعد الهدف الثاني، ففقدوا جزءاً من تركيزهم، ولا ننكر أن العامل البدني والنفسي له تأثير كبير في مثل هذه المواجهات التي تتطلب حضوراً ذهنياً عالياً، خاصة عندما تواجه بطل العالم وأفضل لاعب فيه، والذي يمكنه تغيير مجرى المباراة في أي لحظة. وهذا ما حدث بالفعل في الدقائق الأخيرة التي تحولت إلى كابوس مرعب لمنتخب مصر والعرب، وفرحة عارمة للأرجنتين.
- إن عدالة كرة القدم مطلب ملح، لكن اللعبة في كثير من الأحيان تبدو ظالمة ولا تمنحك ما تستحق. وعموماً، قدم منتخب مصر أداءً مبهراً ومقنعاً، وأظهر وجهاً حديثاً للكرة العربية يعتمد على الأداء الفني والبدني القوي.
- ولم يكن التحكيم في هذه البطولة مرضياً بشكل عام، فمباراة فرنسا وباراغواي مثلاً شهدت هي الأخرى أخطاءً تحكيمية مؤثرة.
- يتحدث الكثيرون عن تداخل السياسة في كرة القدم، وعن غياب العدالة في بعض مباريات كأس العالم، ولذلك أصبح من الضروري جداً أن يراجع «الفيفا» ضوابط اختيار الحكام، حتى لا تذهب المنتخبات الطموحة ضحية لسطوة الأسماء الكبيرة في عالم اللعبة.
- في النهاية، إن عدالة كرة القدم ليست قانوناً رياضياً صارماً، بل هي مزيج من الإنصاف والدراما؛ قد تقسو عليك في مباراة واحدة وتُدير ظهرها لجهدك، لكنها على مدار التاريخ تبقي أبوابها مفتوحة لمن يعطيها العرق والشغف، وتظل عادلة في منح المتعة والبهجة لكل من يعشقها.



