نؤكد دائماً أن التحديات تصنع الفرص، وهذه الفرص تختبر إمكانات الدول حينما يكون مؤشر الخروج من كل أزمة أكثر قوة ونضجاً، والتعامل مع تداعياتها على أنها رؤية جديدة في التخطيط لمشروعات المستقبل.

وهو ما يجعل السعودية واحدة من تلك الدول التي أثبتت الأزمات والتحديات أنها قادرة على تجاوزها، والاستفادة من دروسها، ليس لأن اقتصادها الأسرع نمواً بين مجموعة العشرين، أو الأكثر انفتاحاً على العالم، أو إنفاقاً على مشروعات تنموية، ولكن أيضاً لأن هذا الاقتصاد يشهد قاعدة صناعية قوية للإنتاج محلياً، وبناء سلاسل إمداد وطنية أكثر مرونة واستدامة.

لقد مرّ العالم -والسعودية جزء من هذا العالم- خلال السنوات الخمس الماضية بأزمات كورونا، وتحديات سلاسل الإمداد، وتقلبات الأسواق، وتصاعد الأحداث الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وتداعياتها المستمرة إلى اليوم، ومع كل ذلك بقيت السعودية الأقوى لأنها الأكثر جاهزية على الإنتاج محلياً، والاكتفاء ذاتياً، من خلال منظومة اقتصادية متكاملة قادرة على الاستمرار والنمو في مختلف الظروف، والتكيّف معها عبر سلاسل القيمة الوطنية، وتمكين الكفاءات من أبناء وبنات الوطن، وخلق صناعات جديدة، ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد الوطني.

السعودية تؤمن بأن الاعتماد الكامل على الخارج في أوقات الأزمات يمثل أكبر تحدٍ على اقتصادها، ورؤيتها الطموحة، كما تؤمن بأن الاستثمار في محتواها المحلي هو استثمار حقيقي في استقرار اقتصادها واستدامته، واستثمار طويل الأمد مع المستقبل، فكل صناعة محلية تُبنى اليوم تعني قدرة أكبر على الاستمرار غداً، واستجابة أسرع للأزمات، ومرونة أكبر في سلاسل الإمداد وتدفقها دون انقطاع.

لذا؛ واصلت العمل خلال السنوات الماضية على تطوير سياسات تمكين المحتوى المحلي، ورفع مساهمته في الاقتصاد الوطني، عبر توطين الصناعات، وتوجيه القوة الشرائية الوطنية، وتحفيز الاستثمار، ونقل المعرفة، وبناء شراكات فاعلة مع القطاعين الحكومي والخاص، وهو ما جعلها اليوم تقف بشموخ منتجاتها، وقوة اقتصادها، وتعزيز مكانتها في التنافسية العالمية.

أرقام المحتوى المحلي خلال العام 2025 تثبت أن الرؤية مع القدرة الوطنية تصنع الفارق رغم التحديات والأزمات، حيث بلغ المحتوى المحلي في الإنفاق النهائي للقطاع غير النفطي نحو 1.299 تريليون ريال، وتجاوزت قيمة فرص المحتوى المحلي المطلقة 59.9 مليار ريال، كذلك بلغت قيمة مساهمة المحتوى المحلي في المشتريات الحكومية 91.41 مليار ريال، وتجاوز حجم الاستثمارات الناتجة عن اتفاقيات توطين الصناعة ونقل المعرفة 19 مليار ريال، وعدد الوظائف المستحدثة من إجمالي اتفاقيات التوطين أكثر من 12 ألف وظيفة.

هذه الأرقام تؤكد دور هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية في تعزيز الإمكانات المحلية، وتعظيم الفائدة من القوة الشرائية الوطنية لبناء اقتصاد قوي ومستدام، كما تعكس رؤية سمو ولي العهد التي عبّر فيها صراحة بأن المحتوى المحلي يمثّل «أجندة وطنية، وجزءاً رئيساً في الإستراتيجيات الوطنية وآليات العمل الحكومية، ونموذجاً دولياً يُحتذى به».