منذ سنوات، لم تكن الطائرة الخاصة لكريستيانو رونالدو مثل بقية الطائرات، كانت جزءاً من حكايته.

نقلته من مانشستر إلى مدريد، ومن مدريد إلى تورينو، ثم إلى الرياض، وبين كل هذه المحطات عشرات الملاعب والبطولات والمؤتمرات واللحظات التي صنعت إحدى أشهر القصص الرياضية في العصر الحديث. لم تكن الرحلات مجرد تنقل بين المدن، كانت انتقالاً بين مراحل العمر، حيث كان كل هبوط يفتح فصلاً جديداً، وكل إقلاع يقوده إلى حلم أكبر من السابق.

الطائرة نفسها التي اعتادت أن تعود محملة بالانتصارات، أقلعت هذه المرة من كأس العالم وهي تحمل شيئاً مختلفاً، حملت الشخص نفسه، لكن بمشاعر مغايرة آمنت أن بعض الرحلات لا تعود.

هناك رحلات لا تختلف مسيرتها، لكن يختلف معناها؛ لأن الإنسان حين يعود منها لا يكون الإنسان الذي غادر.

الطيران يتعامل مع الرحلات بالأرقام، رقم الرحلة ووقت الإقلاع والوصول، وعدد ساعات الطيران، أما الإنسان فيقيس رحلته بما تركه من أثر، وما تركه رونالدو أكبر من أن يقاس، صحيح أن الأرقام تظل جزءاً من الحكاية، لكن الأثر هو الذي يبقى في الذاكرة بعد أن تُطفأ الأضواء، وتُطوى الصفحات.

لم تكن دموع رونالدو بعد مباراته ضد إسبانيا دموع خسارة مباراة، فاللاعب الذي فاز بكل شيء تقريباً يعرف أن الخسارة واردة، لكن الأصعب من النتيجة هو الإحساس بأن الزمن تجاوز الأحلام، تلك اللحظة التي يلتفت فيها الإنسان إلى الطريق خلفه، فيكتشف أن ما مضى أصبح أطول بكثير مما بقي، وأن بعض الأبواب تُغلق الآن ولن تُفتح مرة أخرى.

كل إنسان له طائرته الخاصة، ليس بالضرورة أن تكون من أجنحة ومحركات، فقد تكون من الطموح والعمل، تقلع سنوات العمر ونحن نعتقد أن أمامنا وقتاً طويلاً، ثم نكتشف دون إعلان أن الرحلة اقتربت من الهبوط، ربما لهذا يختلف الناس في أحلامهم، لكنهم يتشابهون في شعورهم عندما يقترب آخر المشوار.

في رأيي، تبدو المطارات أماكن استثنائية؛ لأنها لا تستقبل المسافرين بقدر ما تستقبل قصصهم المليئة بالتفاصيل والمسافات، الذين يغادرون إلى بدايات جديدة، والعائدين من مشاوير امتدت على مدى العمر.

في صالاتها يلتقي الفرح بالوداع، وتتعانق البدايات مع النهايات، وكأنها تختصر حياة الإنسان في لوحة واحدة.

أحياناً أنظر إلى الطائرات على أنها محملة بآلاف الأحلام لا المقاعد، وأرى محطات العمر على الطريق تتلاشى بين الشروق والغروب؛ لهذا السبب، كلما أقلعت طائرة، شعرتُ أنها تحمل معها شيئاً من أعمارنا، لا من حقائبنا.

لم تكن قصة رونالدو في مونديال 2026م قصة لاعب خرج من بطولة، بل قصة إنسان ركض طويلاً حتى منتهى الحلم.

أما الطائرة فستظل تفعل الشيء نفسه، تقلع في موعدها، وتحلّق في مسارها، وتعود إلى محطتها، بينما يبقى جزء من صاحبها هناك، في الملعب حيث ترك حلماً عاش معه كل العمر، قبل أن يدرك أن الزمن هو الخصم الوحيد الذي لا يستطيع هزيمته.