من أكثر مفارقات المشهد الثقافي العربي إثارةً للتأمل، أن بعض من يرفعون راية التنوير، يمارسون، من حيث لا يشعرون، أو ربما من حيث يشعرون، أكثر الأساليب ظلامية، وليس المقصود هنا كل من ينتمي إلى المدرسة التنويرية، أو يتبنى قيم العقل، أو الحرية، أو النقد، فالتنوير في أصله قيمة إنسانية نبيلة أسهمت في تحرير العقل، وتوسيع آفاق المعرفة، لكن الحديث هنا عن فئة حولت التنوير من منهجٍ للتفكير إلى أيديولوجيا للإقصاء، ومن مساحة للحوار إلى منصة لاحتكار الحقيقة.
فالظلامية ليست مرتبطة بمرجعية دينية، أو سياسية، أو فلسفية بعينها، وإنما هي حالة ذهنية تبدأ عندما يعتقد الإنسان أنه وحده يملك الحقيقة، وأن الآخرين لا يملكون إلا حق الاقتناع بها، وهي لا تُقاس بالشعارات، بل بطريقة التعامل مع المخالف، وبالقدرة على قبول التعدد، وبالاستعداد للاعتراف بإمكان الخطأ، ولهذا فإن الظلامية لا تبدأ حين يُطفأ الضوء، بل حين يدّعي أحدهم أنه وحده يملك مفتاحه.
ولذلك، فليس كل من يصف نفسه بالتنويري تنويرياً، كما أن ليس كل من ينتقد الخطاب التنويري عدواً للعقل، فالتنوير الحقيقي منهج، لا لقب، وسلوك، لا شعار.
المشكلة تبدأ حين يتحول التنوير من دعوة إلى التفكير إلى سلطة فكرية تحتكر تعريف العقل، وتوزع صكوك الحداثة، وتمنح شهادات التقدم، وتسحبها ممن يخالفها، عندها لا يعود الحديث عن تحرير الإنسان، بل عن استبدال وصايةٍ بوصاية، وكهنوتٍ بكهنوت.
ولهذا نلاحظ، أن بعض الأصوات التي تتحدث كثيراً عن الحرية، لا تمارسها إلا مع من يشبهها، أما المختلف معها، فتلاحقه بأوصاف جاهزة، كالتخلف، والرجعية، والظلامية، دون مناقشة حججه، وكأن المشكلة ليست في الفكرة، بل في مجرد وجود صاحبها.
ومن اللافت أيضاً، أن بعض هؤلاء يتحدثون عن التعددية، لكنهم لا يحتملون تعددية المرجعيات، يقبلون اختلاف المدارس الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، لكنهم يضيقون ذرعاً بأي حضور للدين في المجال العام، حتى لو جاء ضمن الأطر النظامية، وبالوسائل السلمية، وفي إطار حق المجتمع في التعبير عن هويته، وقيمه، وليس المقصود منح أي مرجعية حصانة من النقد، فكل فكرة قابلة للنقاش، لكن الخصوصية الحضارية يجب أن تُفهم قبل إصدار الأحكام عليها.
والأخطر من ذلك، أن بعض الخطابات التي تتدثر بمفردات التنوير تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي وفق تصورات مستوردة، تتعامل مع الخصوصية الثقافية، والدينية بوصفها عائقاً، لا مكوناً حضارياً، والمشكلة ليست في الاستفادة من تجارب الآخرين، بل في استيراد حلول نشأت في سياقات تاريخية مختلفة، ثم إسقاطها على مجتمعات تختلف عنها في تاريخها، وبنيتها، ومنظومتها القيمية.
فالنسخة الأوروبية المتشددة من العلمانية جاءت نتيجة صراع تاريخي خاص، أما المجتمعات الإسلامية فلها سياق مختلف، ولذلك فإن نقل الحلول دون فهم طبيعة المشكلات ليس انفتاحاً، بل اختزال للتاريخ، وتحويل للفكر إلى قوالب جاهزة.
وفي السياق السياسي، يبرز نمط آخر يستحق التأمل، فبعض الخطابات التي تقدم نفسها بوصفها مشاريع إصلاح فكري، لا تنشغل بإنتاج المعرفة بقدر انشغالها بإضعاف الثقة بالموروث، والتشكيك المستمر في المؤسسات الدينية، والاجتماعية، وتصوير المجتمع وكأنه يعيش أزمة دائمة مع هويته، وهنا يصبح من المشروع التساؤل، هل الغاية هي الإصلاح الفكري فعلاً، أم إعادة تشكيل البيئة الثقافية وفق تصورات سياسية، وفلسفية تتجاوز مجرد النقاش المعرفي؟
وهذا السؤال لا يُطرح من باب التخوين، ولا من باب صناعة المؤامرات، بل لأن التاريخ يعلمنا أن الأفكار قد تتحول إلى أدوات لتحقيق أهداف سياسية، وثقافية، واجتماعية، ولذلك فإن أي خطاب، مهما كان عنوانه، يجب أن يخضع للنقد.
ومن المفارقات أيضاً، أن بعض من يهاجمون «تسييس الدين»، يمارسون في المقابل «تسييس الثقافة»، فيوظفون المفاهيم الفكرية لخدمة اصطفافات سياسية، ويوزعون أوصاف العقلانية، والتقدمية وفق الموقف السياسي، لا وفق قوة الحجة، كما يحاول بعضهم احتكار قراءة التاريخ، وكأن الرواية الصحيحة لا يملكها إلا فريق واحد.
والأشد غرابة، أن بعض من يطالبون بتحرير الإنسان من سلطة المؤسسات، يعيدون إخضاعه لسلطة أخرى أكثر قسوة، هي سلطة «الرأي المقبول»، فإذا خالفهم أحد، لم يُحاكم قانونياً، بل حُوكم اجتماعياً، عبر التشهير، والإقصاء، وحملات التخوين، وهكذا تنتقل الرقابة من المؤسسة إلى المنصة، بينما يبقى الاستبداد هو الاستبداد، مهما تبدلت أدواته.
ولا يمكن تجاهل أن بعض المنصات الإعلامية، والثقافية، رسخت معادلة توحي بأن التنوير لا يكون إلا بمخاصمة التراث، وأن الحداثة لا تتحقق إلا بإضعاف المرجعية الدينية، بينما تثبت التجارب الناجحة أن المجتمعات الأكثر استقراراً هي التي أحسنت الموازنة بين الأصالة، والتطوير، لا تلك التي أعلنت الحرب على هويتها.
والمجتمع السعودي يقدم اليوم مثالاً واضحاً على ذلك، فهو يعيش مشروعاً تنموياً واسعاً، وإصلاحات اقتصادية، واجتماعية، وتشريعية عميقة، دون أن يتخلى عن هويته، أو يدخل في خصومة مع دينه، وثقافته، وهذه التجربة تؤكد، أن التحديث لا يستلزم القطيعة، وأن التطور لا يعني الانسلاخ.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع فكري هو أن يتحول إلى أيديولوجيا مغلقة، ترى نفسها وحدها ممثلة للعقل، وتعتبر كل مخالفة لها دليلاً على الجهل، أو سوء النية، فعند هذه اللحظة يسقط شعار التنوير، وتبدأ الظلامية، مهما كانت الأسماء براقة، ومهما كانت الشعارات لامعة.
فالتنوير الحقيقي لا يخاف من السؤال، ولا يحتكر الحقيقة، ولا يصادر المخالف، ولا يستبدل وصاية الأمس بوصاية جديدة، لأن العقل لا يحتاج إلى أوصياء، كما أن الحرية لا تتجزأ، والنقد لا يكون صادقاً إلا إذا شمل الجميع، دون انتقائية، ودون حصانات فكرية.
ليست الظلامية إذن ديناً، ولا مذهباً، ولا تياراً سياسياً، بل عقلٌ لا يحتمل شريكاً في الحقيقة، مهما كان الشعار الذي يرفعه، ومهما كان الضوء الذي يدّعي أنه جاء ليحمله.


