في الوقت الذي يشهد فيه العالم توترات سياسية واضطرابات حادة بسبب توتر الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، يتساءل الخبراء كثيراً عن العلاقة الشائكة بين السياسة والاقتصاد في إيران وعن أيهما يقود الآخر، وهو السؤال الذي يطرح نفسه منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، والتي طرحت بقوة هذا الجدل عمّن يحدد مسار الآخر، فهل تحدد الاعتبارات الاقتصادية توجهات السياسة الإيرانية، أم أن الحسابات السياسية هي التي ترسم أولويات الاقتصاد؟.
لا شك أن التجربة الإيرانية تقدّم نموذجاً تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد إلى درجة يصعب معها الفصل بينهما، وهو ما اتضح جلياً خلال الشهور الماضية التي اندلعت فيها الأزمة بين الولايات المتحدة وبين إيران، إلا أن القراءة المتأنية لتاريخ طهران تشير إلى أن السياسة ظلت لعقود طويلة اللاعب الأكثر تأثيراً في رسم ملامح الاقتصاد الإيراني، فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، اتخذت القيادة الإيرانية العديد من القرارات التي غلبت فيها الاعتبارات السياسية على المصالح الاقتصادية المباشرة، حيث استثمرت الدولة مواردها الضخمة في تطوير نفوذها الإقليمي، وفي تعزيز قدراتها العسكرية والأمنية والاستخباراتية.
استمر هذا النهج حتى خلال الفترات التي كان الاقتصاد الإيراني يواجه فيها ضغوطاً شديدة نتيجة العقوبات الدولية أو نتيجة لانخفاض أسعار النفط أو ارتفاع معدلات التضخم والبطالة، وهو ما أدى إلى ربط القرار السياسي بالمخطط الاقتصادي للدولة، فالقطاع النفطي الذي يمثل أحد أهم مصادر الدخل في البلاد ظل خاضعاً لحسابات السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، كما أن العقوبات التي تعرضت لها إيران لم تكن نتيجة أسباب اقتصادية، بل جاءت في معظمها نتيجة خلافات سياسية تتعلق بالبرنامج النووي والسياسات الإقليمية لطهران.
غير أنه على الجانب الآخر برزت مؤخراً مؤشرات تدل على أن الاقتصاد بدأ يفرض نفسه بقوة على صنّاع القرار في إيران، فالتحديات المعيشية التي يواجهها المواطن الإيراني وارتفاع تكاليف الحياة وتراجع القوة الشرائية وتذبذب قيمة العملة المحلية وانهيار قطاعات اقتصادية عدة داخل إيران، دفعت السلطات في إيران للاهتمام بالملف الاقتصادي، فعلى ما يبدو أدركت القيادة الإيرانية أن استمرار الضغوط الاقتصادية لفترات طويلة قد ينعكس على الاستقرار الداخلي ويؤثر في قدرة الدولة على تحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية، ولذلك بدأت إيران تركز على الجانب الاقتصادي في أزمتها الأخيرة مع الولايات المتحدة، حيث سعت للحصول على جزء من أموالها المجمّدة بالخارج، كما سعت لفرض رسوم على السفن العابرة عبر مضيق هرمز.
من المؤكد أن المتغيرات الدولية الأخيرة عززت هذا التوجه الإيراني، فالعالم يشهد اليوم تنافساً اقتصادياً متزايداً، وأصبحت قوة الدول تقاس بقدرتها على جذب الاستثمارات وتطوير التكنولوجيا ورفع مستويات الإنتاجية، وإيران ليست بمنأى عن هذه التحولات، فهي تدرك أن تحقيق التنمية الاقتصادية بات شرطاً أساسياً للحفاظ على مكانتها الإقليمية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الخارجية، ورغم ذلك لا يزال العامل السياسي محورياً في الاقتصاد الإيراني، فالقضايا المتعلقة بالأمن القومي والبرنامج النووي والعلاقات الإقليمية تظل خاضعة في المقام الأول لحسابات سياسية واستراتيجية قد تتقدم أحياناً على الاعتبارات الاقتصادية، وهذا ما يفسر استمرار بعض السياسات التي تُحمل الدولة أعباءً اقتصادية واضحة لكنها يُنظر إليها من منظور المصالح العليا للدولة.
من المؤكد أن السؤال حول ما إذا كان الاقتصاد يقود السياسة أم العكس في إيران لا يمكن الإجابة عنه بسهولة على نحو يقيني، غير أن المؤكد هو أن مستقبل إيران خلال السنوات المقبلة سيتحدد إلى حد كبير بمدى قدرة صنّاع القرار فيها على تحقيق توازن بين ضرورات السياسة ومتطلبات الاقتصاد، فإذا استمرت الضغوط الاقتصادية الحالية، فمن المرجح أن تزداد أهمية الاعتبارات الاقتصادية في رسم السياسات الداخلية والخارجية، أما إذا نجحت طهران في تحسين أوضاعها الاقتصادية وتخفيف الضغوط المفروضة عليها، فقد تستعيد السياسة مكانتها السابقة، وفي ظل الترقب السائد حول ما إذا كانت الحرب قد وضعت أوزارها بعد أم لاتزال هناك جولات قادمة من الصراعات والاضطرابات، بات هذا السؤال الملح يطرح نفسه: هل تستطيع إيران إيجاد معادلة تنسجم فيها السياسة والاقتصاد معاً، أم ستظل تسعى لكي تستمر كشوكة في خاصرة المنطقة للأبد؟.



