الدعاية السياسية في أبسط مفاهيمها هي ممارسة إعلامية منظمّة للتأثير في عواطف وسلوك الجمهور؛ وصولاً إلى تحقيق مكاسب السيطرة على الرأي العام وتوجيهه، وتعبئته وتحفيزه نحو تبنّي مواقف معينة، وصناعة القبول لديه بشرعية القرارات التي تم التوصل لها، من خلال أساليب انتقائية المعلومات، واستخدام الرموز والشعارات، واستغلال وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.

أخطر أنواع الدعاية في أوقات السلم والحرب هي (الدعاية الرمادية) التي تستند إلى معلومات غير دقيقة في مصدرها، وغير واضحة في مزجها بين الحقائق والأكاذيب، وتعتمد بالدرجة الأولى على التسريب الإعلامي، والشائعات، وتوظيف أطراف ثالثة في عملية النشر والتفاعل، وذلك بعكس (الدعاية البيضاء) التي تُعلن مصدرها بشكل واضح، وتقدّم غالباً معلومات صحيحة، وكذلك (الدعاية السوداء) التي يمكن كشف معلوماتها الكاذبة والمضللة وأهدافها المعلنة في الإثارة والتشويه والتأزيم.

على هذا الأساس تبقى الدعاية الرمادية بعد اتفاق التفاهم بين أمريكا وإيران هي الأخطر في تشكيل الرأي العام المحلي والدولي، حيث بات واضحاً تكتيكات كل طرف في التعامل مع المساحة الفاصلة بين انتهاء الحرب والوصول إلى اتفاق شامل لإنهاء الصراع، وهذه المساحة تعاملت معها أمريكا بنشر تسريبات استخباراتية موجهة نحو الخسائر العسكرية الإيرانية من الحرب، والأوضاع الاقتصادية المتردية بعد الحصار، وممارسة الضغط النفسي على صانع القرار للقبول والإذعان بما هو مطلوب في هذه المرحلة.

وفي المقابل تنتهج إيران دعاية رمادية باستخدام منصات التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل «فيديوهات ليغو» الرمزية الساخرة، وروايات النصر عبر وكلائها في المنطقة، واستغلال الاختلاف الداخلي الأمريكي لتعميق الاستقطاب السياسي في واشنطن، وكذلك إبراز مواقف إسرائيل -الحليف الأمريكي في الحرب- بأنها متطرفة، وخاسرة، وهو ما يزيد من الضغط النفسي على الإدارة الأمريكية.

الملفت في حرب الدعاية الرمادية بين واشنطن وطهران أنها لم تتوجه فقط للمجتمع الدولي، ولكنها أيضاً توجهت للداخل في كلا البلدين، فالإدارة الأمريكية تنفذ حملة دعاية غير مسبوقة في الداخل لإظهار نصرها، ونجاحها في إبرام اتفاق أفضل للشعب الأمريكي من اتفاق أوباما، ويبرز ذلك في وسائل الإعلام ومنصات التواصل المحسوبة على الإدارة الحالية.

بينما إيران تركّز في الداخل على الفكرة الوجودية للنظام، والأوراق الرابحة للانتصار وخصوصاً مضيق هرمز، والسخرية من الأعداء، وسيكولوجية اللوحات الجدارية (البيلبورد) في الميادين والساحات، حيث وظّفت طهران الساحات العامة (مثل ساحة ولي عصر) لنشر بروباغندا بصرية موجهة لأمريكا، من خلال وضع جداريات ضخمة مشوهة عن الرئيس ترمب؛ لترسيخ فكرة «نقطة الانكسار» والتحكم الإيراني بالملاحة.

الدعاية الرمادية بين البلدين سوف تستمر خلال فترة الستين يوماً وما بعدها، لكنها ستستمر أيضاً بفترات متباينة بين التنشيط والفتور بحسب المعطيات والمتغيّرات المتوقعة بعد الاتفاق النهائي، حيث لا يزال كل طرف متمسكًا بسرديته الخاصة من الحرب والسلم، ولكن يبقى الوعي الدولي للحكومات والشعوب قادرًا على فحص كل تلك التفاصيل والتعامل معها في إطار تنافسي، وصراع من النفس الطويل، والأهم أن الرأي العام في أي مجتمع لا يتأثر بمحتوى تلك الدعاية.