لم يكن الوضوح الذي اتّسم به حديث وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، خلال مشاركته في الجلسة الحوارية بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، في العاصمة النمساوية فيينا يوم الأربعاء الماضي، معلقاً على مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، لم يكن وضوحه يحتمل أيّ لبس أو غموض في موقف المملكة، بل عبّر عن موقف دبلوماسي بالغ الذكاء، ودقيق الحساسية السياسية، بما حمل من رسائل، لا شكّ أنّها قد وصلت إلى بريد من يعنيهم الأمر، وتقصدهم الإشارة قصداً.
وهو موقف بقدر ما يؤكّد التزام المملكة بالدبلوماسية سبيلاً لحلّ القضايا بين الدول، يؤكد كذلك على أحقيتها في أن تكون حاضرة في تفاصيل هذه الجهود، وليست طرفاً «هامشياً» يتلقّى الأوامر والإحاطات الإعلامية والتعليمات بأيّ صيغة جاءت ليعلب دور المنفّذ. هذا ليس من شأن المملكة، ولا من ركائزها السياسية التي قامت عليها، ولا يتناسب والدور المركزي الذي تقوم به حيال القضايا كافة، خصوصاً الإقليمية ذات الاحتكاك المباشر بأمنها وسلامة أراضيها.
لهذا جاءت كلمة الوزير بالجة وواضحة بأن المملكة «ملتزمة بالدبلوماسية» في سياق قوله: «ذلك هو السبب نفسه الذي يجعلنا ننخرط بنشاط كبير في دعم نجاح المفاوضات القادمة، كما أن هذا هو السبب الذي سيدفعنا للعمل مع شركائنا في المنطقة لبدء حوار إقليمي لبناء محادثات حول كيفية التغلّب على أزمة الثقة التي فُقدت نتيجة هذا الصراع، وكيف يمكننا التطلع نحو مستقبل أفضل وضمان إمكانية معالجة بؤر التوتر المُحتملة من خلال الدبلوماسية بدلاً من المواجهة».
وهنا تكمن الإشارة المهمة، والرسالة التي لا بد أنها بلغت سمع من تعنيه، فالمملكة؛ ودول مجلس التعاون والأردن، أقحمتها إيران في هذه الحرب، باعتداءاتها السافرة التي من عماها لم تستثنِ حتى الأعيان المدنية؛ لهذا فإنّ مشاركة المملكة حالياً ومستقبلاً في حلّ هذه الأزمة عبر التفاوض والوسائل الدبلوماسية بما يخاطب جذورها أمر يتعدى مسألة الطلب العابر إلى الفرض المُحتم، فلا حلّ إلّا بمشاركة المملكة ووضع أجندتها في الاعتبار، وسماع رأيها بما يؤسّس لتعايش قائم على الاحترام المتبادل في المستقبل، وبخلاف هذا الحضور المنطقي، فإنّ التفاهمات كافة التي تنتج عن اللقاءات الثنائية وغيرها، بالغة ما بلغت من النجاح، فإنها لن تؤسس لسلام دائم في المنطقة. وما إشارة وزير الخارجية إلى دروس الاتفاق النووي السابق «الذي تجاهل أيضاً السياق الإقليمي تماماً»، إلا التفاتة لمن يتجاهلون أو يحيّدون حتمية حضور المملكة فيما يجري حالياً، وقد تجلّى ذلك في قوله: «إذا لم نعالج القضايا التي تهم المنطقة، فإنّ الخطر يكمن دائماً في أن يصبح أيّ اتفاق نووي أقل أماناً، ويتحوّل إلى مصدر للخلاف ومصدر للمخاطر بقدر ما يمثل معالجة للمسألة النووية».
أما الإشارة الأوقع أثراً فقد تمثّلت في إشارته إلى «عدم وجود أي معلومات أو فكرة حول الصندوق المزعوم لإعادة إعمار إيران»، في تعليقه على ما يتداول إعلامياً عن «بند في الاتفاقية تشارَك بموجبه عدد من دول المنطقة والعالم وشركاء الولايات المتحدة، في صندوق دعم عملية إعادة الإعمار في إيران، عقب التوصّل لاتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران»، ففي هذه الإشارة جوهر الموقف السعودي بوصفه «فعلاً» نافذاً، وليس «رد فعل» يتلقى التعليمات، كما أنه تضمن إضماراً بحقّ المملكة والدول المتضررة في جبر الضرر الذي وقع عليها، والذي لم يأتِ عليه الذكر، ولم تُقّدر حجم الضرر الذي وقع، ولا كيفية معالجته، قبل الزعم بأحقية إيران في إعادة إعمار ما دمرته الحرب. فإذا كانت هذه الحرب قد استهدفت البنى العسكرية والمشروع النووي الإيراني وفق الأجندة التي اندلعت بسببها، فكيف لها أن تطالب بإعادة إعمار ما سعت أصلاً لدماره، فكل المستهدفات التي طالتها الحرب في ايران كانت عسكرية، بينما أغلب المستهدفات في المملكة ودول الخليج كانت ذات طابع مدني، فأي الفريقين أحق بإعادة الإعمار؟!
لقد كان وزير الخارجية صوت المملكة الصادق والواضح والمُرتّب للأولويات حيال هذه الأزمة، من ضرورة فتح منافذ الحوار لإعادة الثقة التي بدّدتها إيران بمهاجمتها للسعودية ودول الخليج، وهي ثقة لن تبنى بالتفاهمات العجلى، والدعوات للترميم وإعادة التأهل. فواقع الحال يتعاضد مع تشديد وزير الخارجية في كلمته من حتمية وضرورة إجراء حوار حول كيفية إعادة بناء الثقة وإعادة بناء العلاقة مع إيران قبل أن يتم تناول أي مفهوم للتعاون الاقتصادي أو الاستثمار المتبادل مغلقاً باب المزايدة بالإشارة إلى أن «أولوية التنمية موجّهة اليوم للداخل السعودي»، آخذاً بزمام المبادرة في ذلك، غير متجاهل أدوار الجميع بحتمية العمل مع شركائنا في المنطقة لبدء حوار إقليمي لبناء محادثات حول كيفية التغلّب على أزمة الثقة التي فُقدت نتيجة هذا الصراع
وقرين بهذه الرسالة الواضحة، ما أوضحه الأمير فيصل بن فرحان من الرياض اعتماد المملكة على «نهج المسار المزدوج» بما يشمل بناء قدرات المملكة الدفاعية ضماناً لحقها واستعدادها في مواجهة التهديدات، فضلاً عن بناء مرونة من منظور لوجستي واقتصادي، وفق تصريح الوزير.
وفي هذا الكفاء والغناء لمن ألقى السمع وهو شهيد، كما أنه ومن هذه النقطة يبدأ الحل المستدام، والمعالجة التي لا تقبل تطفيفاً، ولا تترك أثراً لجرح غائر يعيد المنطقة إلى مربّعات التهييج والزعزعة وفرض الأجندات.


