وصلني من الصديق الشاعر سعيد آل منصور مقطع غنائي بصوت أنثوي مُنعم وأنيق، مع تعليق يقول فيه: «من كلماتي وغناء وإخراج الذكاء الاصطناعي»، ويسألني: هل استطاع الذكاء الاصطناعي أن يأخذ كل شيء؟

قول يتجاهل حقيقة جوهرية عميقة، وهي أن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقلّد اللغة، لكنه لا يستطيع أن يعيش التجربة الإنسانية التي تصنع إحساس شاعر وتُنطقه.

الذكاء الاصطناعي يمكنه كتابة أبيات شعرية، وتقليد أسلوب المتنبي، ونزار قباني، ومحمود درويش، لكن الفارق بين التقليد والحقيقة يشبه الفارق بين وردة صناعية لا حياة فيها وأخرى نبتت في التراب صحتها الشمس ورواها المطر وسقطت على خدها قطرات الندى.

وكذلك نص الذكاء الاصطناعي قد يحمل الوزن والقافية والصور البلاغية، لكنه يفتقد الحرارة الداخلية التي تمنح القصيدة روحها.

القصيدة في تشكُلها ليست هندسة لغوية بل ارتباك داخلي، وقلق، وحنين، وذاكرة، وندم، وانكسار، وشهوة حياة، واحتكاك مباشر بالوجود، كيف لآلة لم تعرف اليتم أن تكتب كالمتنبي؟

كيف لخوارزمية لم تفقد وطناً أن تبكي مثل محمود درويش؟

كيف لبرنامج لم يعشق امرأة أن يكتب مثل قيس أو جميل بثينة أو نزار؟

الشعر لا يولد من المعاجم، بل من الجراح، لا يخرج من قواعد البيانات، بل من ارتجاف الروح أمام الحب والغدر والخوف والفقد والخذلان والانتصار والهزيمة.

الشاعر يكتب بمشاعره وأحاسيسه؛ لذلك بقيت أعظم القصائد مرتبطة بأصحابها ارتباط الدم بالروح، قصائد أبي الطيب المتنبي تحمل كبرياءه الشخصي وجوعه إلى المجد، شعر أبي فراس الحمداني يحمل مرارة الأسر والوجع، وقصائد بدر شاكر السياب مبللة بوجع المرض والمنفى، أما قصائد محمود درويش فتمشي وفي داخلها وطن كامل يبحث عن نفسه. تجارب لا يمكن تحميلها داخل ذاكرة إلكترونية. الآلة تستطيع أن تجمع ملايين النصوص، وتعيد ترتيبها بمهارة مدهشة، لكنها تعجز عن امتلاك قلب عاشق يرتجف، عن الشعور بالانتظار الطويل خلف نافذة، أو ناصية شارع، أو موعد مؤجل أو خذلان قاتل أو خفقان قلب يرى محبوبته وسط الزحام؛ لهذا ظل بيت عنترة بن شداد شاهداً خالداً على أن الشعر تجربة حياة لا تمرين لغة وهو يقول لحبيبته عبلة:

وَلَقَد ذَكَرتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ

مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي

فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها

لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ

أي آلة تستطيع أن تعيش هذه المشاعر؟

أي خوارزمية يمكنها أن تفهم كيف يتحوّل بريق السيوف المضرجة بالدم إلى صورة لثغر الحبيبة؟

هذه ليست صناعة لغوية، هذه ذروة التحام العاطفة بالمصير الإنساني، عنترة كان ينزف حباً، والشعر الحقيقي يولد دائماً من منطقة النزيف الإنساني العميق.

الذكاء الاصطناعي، تعامل معه كثيرون بوصفه الكائن الجديد القادر على ابتلاع كل شيء؛ الموسيقى، الرسم، الرواية، الترجمة، التحليل، التلحين، بل وحتى صناعة الأصوات، والوجوه والأحلام، إلى حدّ الادعاء بأن الإنسان نفسه أصبح مشروعاً قديماً، وأن الآلة ستجلس قريباً على عرش الإبداع الإنساني كله. لا يا عزيزي، الآلة تحفظ المعلومات، تعمل وفق الاحتمالات الإحصائية، تعتمد على ما كُتب سابقاً بلا ذاكرة شعورية حقيقية، وبلا طفولة، وبلا خوف من الموت، وبلا توق إلى الخلود، وبلا حنين إلى الأمكنة، وبلا إحساس بزمن العمر وهو يتسرب من الأصابع، إنها عقل بلا قلب يعجز عن خلق الخفقة التي تجعل قارئاً يبكي من بيت شعر واحد.

أما الإنسان فيحمل الندوب، شعره وصف للعاطفة، قدرة على اكتشاف ما لا يُقال، يمنح اللغة طاقة روحية، لهذا يبدو الشعر وكأنه كشف مفاجئ للحياة، خلق الدهشة من قلب المجهول، الشاعر يصنع ما لم يكن موجوداً أصلاً، لو كان الشعر مجرد تركيب لغوي لصارت المعاجم أعظم الشعراء.

الشعر ليس (معلومة)، بل (حالة إنسانية)، ولهذا سيظل الإنسان متفوقاً في منطقة الإحساس مهما تطورت الآلات.

قد يربح الذكاء الاصطناعي معارك التقنية، لكنه سيقف عاجزاً أمام دمعة صادقة خرجت من قلب عاشق حقيقي، وسيظل الفرق قائماً بين شاعر كتب لأنه تألم، وبرنامج كتب لأنه حُدِّث إلى إصدار جديد وفق خوارزميات وبيانات رقمية، وما ينطبق على الشعر قد ينطبق على غيره من العلوم التى تحتاج إلى إبداع العقل البشري بكل تعقيداته..

أخيراً..

الذكاء الاصطناعي لن يصنع روح شاعر بحجم الأمير بدر بن عبدالمحسن رحمه الله.