من الخطأ اختزال ظاهرة إنكار السنّة النبوية في كونها مجرد خلاف فقهي أو نقاش أكاديمي حول مصادر التشريع، فالقضية في جوهرها أكبر من ذلك بكثير، لأنها تمس البنية التي حفظت الإسلام عبر القرون، وتفتح الباب أمام إعادة تعريف الدين وفق أهواء الأفراد ومتطلبات اللحظة السياسية.

منكر السنّة لا يهاجم القرآن، بل يبدأ من نقطة أكثر حساسية، يتحدث عن الاكتفاء بالقرآن، ثم ينتهي عملياً إلى إسقاط المصدر الذي يشرح القرآن ويبيّن أحكامه ويحول نصوصه إلى واقع معاش، وبهذا يصبح الدين قابلاً لإعادة الصياغة وفق قراءات شخصية لا ضابط لها ولا مرجعية تحكمها.

ولهذا لم يكن مستغرباً أن تجد هذه الفكرة قبولاً لدى بعض المشاريع الفكرية والسياسية المعادية للعالم الإسلامي، فحين تُنزع السنّة من مكانتها، يُصبح من السهل تفكيك المنظومة التشريعية والأخلاقية والحضارية التي تشكّلت عبر أربعة عشر قرناً، وعندما يفقد المجتمع مرجعيته الجامعة، يتحوّل إلى جماعات متفرقة، لكل منها تفسيرها الخاص للدين وقراءتها الخاصة للنصوص.

إن أخطر ما في الفكرة ليس ما تقوله، بل ما تؤدي إليه، فهي لا تكتفي بإسقاط كتب الحديث، بل تسقط معها تراكمات علمية هائلة، وجهود آلاف العلماء، ومنظومة معرفية كاملة قامت على التمحيص والنقد والتدقيق، وهي بذلك تنقل المسلم من مرجعية الأمة إلى مرجعية الفرد، ومن العلم المتراكم إلى الرأي الشخصي.

وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئاً، فهو أن استهداف الأمم يبدأ غالباً باستهداف مراجعها الكبرى، وليس من قبيل المصادفة أن تكون السنّة النبوية هدفاً دائماً للتيارات التي تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي الإسلامي، لأن إسقاط السنة لا يعني إسقاط مصدر تشريعي فحسب، بل يعني إضعاف الرابط الذي وحّد فهم المسلمين لدينهم عبر العصور.

ولعل المفارقة الأبرز أن كثيراً من منكري السنّة يعتقدون أنهم يحررون الإسلام من التراث، بينما النتيجة العملية التي يصلون إليها هي تحرير كل إنسان من أي مرجعية سوى نفسه، وعندما تصبح الذات هي المرجع الأعلى، لا يبقى دين واحد، بل أديان بعدد القراءات والأهواء.

وهنا تتجاوز المسألة حدود الجدل الديني إلى أبعاد سياسية وحضارية أوسع، فالمجتمعات التي تفقد مراجعها المشتركة تصبح أكثر قابلية للاختراق الفكري والاستقطاب والتفكك، ولهذا تجد بعض المنهجيات المعادية للإسلام وللعالم الإسلامي مصلحة مباشرة في انتشار هذه الأطروحات، لأنها تساهم في إضعاف البنية الفكرية التي شكّلت هوية المسلمين وحافظت على تماسكهم عبر القرون.

لهذا فإن قضية السنّة ليست قضية تاريخية، وليست سجالاً بين المحدثين وخصومهم، بل قضية تتعلق بمستقبل الفهم الإسلامي نفسه، فالأمم لا تُهزم فقط بالجيوش والاقتصاد، بل قد تُهزم أيضاً عندما تُفكك مراجعها الفكرية من الداخل، ويُزرع الشك في المصادر التي حفظت هويتها ووحدتها واستقرارها المعرفي عبر الأجيال.

ومن هنا تبدو خطورة إنكار السنّة مضاعفة، فهو من جهة يطعن في أحد أهم مصادر التشريع الإسلامي، ومن جهة أخرى يقدم خدمة مجانية لكل مشروع سياسي أو فكري يسعى إلى إضعاف المرجعيات الجامعة، وتفكيك البنية الثقافية والحضارية للأمة الإسلامية، تحت شعارات تبدو براقة في ظاهرها، لكنها في نتائجها تقود إلى فراغ فكري لا يخدم إلا خصوم هذه الأمة ومشاريعها الكبرى.