لفهم الصورة التي يعيشها أي مجتمع من المجتمعات، لا بدّ من الحفر في التراكم الثقافي الذي يطبّق على المجتمع حتى يكاد أن يكون شبيهاً بالركام الذري الإشعاعي وما يشكّله من آثار مدمرة على المجتمع. ليس كل ركام ضارًّا، فطبقات الأرض تتشكّل من ركام ذي طبيعة مختلفة تكوّنت عبر سنوات طويلة، جعلتها بالشكل الذي نشاهده في كل منطقة. هذه التشكيلات الطبيعية هي نتاج تراكمات حدثت تحت ظروف بيئية مختلفة. إن المقصود بالركام الثقافي: هو مفهوم نقدي معروف (مشتق من علم الآثار الثقافي) يشير إلى تراكم المعتقدات والممارسات والتقاليد والتحيّزات عبر الزمن، بحيث تصبح طبقات متراكمة فوق بعضها، يصعب اختراقها. وتشبيهها بالإشعاع الذري إيحاء بالخطر، والتآكل البطيء غير المرئي، والتلوث الذي يمتد لأجيال، والصعوبة البالغة في التخلص من آثاره.

الركام الثقافي في بعض المجتمعات العربية والإسلامية أحيانًا لا يكون مجرد تراكم محايد، بل يكون سامًّا مثل الإشعاع. يُضعف القدرة على التفكير النقدي، يُمرض الإبداع، ويُورث أجيالاً تعاني من أمراض ثقافية مزمنة دون أن تشعر بمصدرها. لا شك أنه ليس كل ركام ضارًّا، فهناك تراكمات ثقافية بنَّاءة (لغة، أخلاق، فنون) تشكّل الهوية. التحدي هو في تمييز الركام الإشعاعي من الركام الصحي.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكننا أن نميّز بين الأفكار التي تلوث ثقافة بأكملها لدرجة الخوف من قول الحقيقة، أو تطبيع الظلم، أو تقديس الموروث دون تمحيص؟

إن أسوأ ما في بعض التقاليد ليس أنها قديمة، بل أنها تسمّم الحاضر والمستقبل بصمت. الرسائل التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي تكشف في كثير منها هذا التراكم الثقافي الضار. فمثلاً تلقيت رسالة نصها التالي: «أخي الحبيب أمس أنا والعافية كنا نبحث عن المال واليوم أنا والمال نبحث عن العافية. ازرع في مفهوم أبنائك أن المولى عزّ وجلّ إذا عافاك فقد أغناك.. وأحمد الله وأشكره أسعد الله صباحك». قد لا يتوقف كثيرون عند هذه الرسائل التي هي في حقيقتها تراكم ثقافي ضار وخطير. ويكمن الخطر في تمرير ثنائية (المال العافية) وكأنهما لا يجتمعان أبداً. كما أن مثل هذه الرسائل تعمل على غسل الدماغ المبكر: «أزرع في أبنائك» أن العافية تُغني عن المال، وهو خطاب يمكن استخدامه لتبرير الفقر أو تثبيط الطموح، ونزع الشرعية عن السعي وراء الرزق، وجعله في تناقض مع «عافية» الله.

السؤال الذي يطرح نفسه: «كيف نحمي أنفسنا من هذا الإشعاع الثقافي؟» الجواب هو: مدى الوعي بآلية التراكم الذري هو أول خطوات الوقاية. ثانيها: إعادة التفكير في الرسائل المجتمعية التي تأخذ أشكالاً عديدة، وتعمل على ترسيخ مفاهيم بالية تلبس لباس كراهية الدنيا. كثير من التراكم المشع يقدم نفسه على أنه «زهد» أو «تقوى»، لكنه في جوهره تسميم للعلاقة بالحياة ذاتها. ثالثها: التدريب العملي على التفكيك، بحيث يصبح كل فرد قادرًا على استقبال أي رسالة ثقافية بسؤال واحد: «هل هذه الرسالة تفتح عقلي أم تغلقه؟ هل تدعوني إلى الحياة أم إلى الموت الثقافي؟».

التراكم الثقافي الذري ليس مجرد نظرية، بل هو دعوة إلى مقاومة فكرية يومية تبدأ بالوعي، وتستمر بإعادة التفكير، وهدفها النهائي تحرير العقل من سموم الماضي التي تتنكر في ثياب المقدس.