أحياناً وعندما تشاهد فيلماً أو مسلسلاً تصيح أو تهمس أو تتذمر بجملة قصيرة:


- نحن ليس هكذا..


وهذه الجملة تعد رفضاً للمضمون الذي تشاهده، وذلك المضمون يحمل (استبلاهنا) أو مفارق للحياة الاجتماعية التي نعيشها.. نعم الفن إحدى القوى النافذة للتغلغل في المجتمعات، وليس جديداً القول إن الدول الكبرى استخدمت هذه الوسيلة خلال فترات زمنية مختلفة، ومتباعدة في تقوية وجودها.. ومن تابع تاريخ الفنون سيجد لكل فن أداة ثقب، وتمكين في تلك المجتمعات.. ونحن نقرأ عن عباقرة الموسيقى، أو الفن التشكيلي، أو الرواية، أو الشعر، أو المسرح، نجد أنها نهضت بأدوار عظيمة في بناء تلك الدول، والصعود بدولها إلى المراتب المتقدمة في سلم التحضر؛ ولأن صناع الفنون عملة نادرة، أخذت كل دولة تصدر رموزها كقوى ناعمة تفاخر وتتسامى بها إلى مصاف التحضر.. ونجد أن تلك الفنون تمثل درعاً واقياً لكينونة ثقافة وتاريخ البلد، ومن يتذكر مقاومة فرنسا للمد الأمريكي ثقافياً من خلال السينما، حين غزت أمريكا فرنسا سينمائياً حتماً، سيتذكر في الحال، القرار الفرنسي المقرر على الدور السينمائية أن لا تعرض إلا الأفلام الفرنسية.. ولأنني ذكرت فرنسا في هذا السياق، يمكننا تذّكر تغريدة وزير الثقافة الفرنسي حين كان ينعى فيها فقيد جمهورية فرنسا المغني شارل آزنافور ويصفه بنعوت عدة، مؤكداً أن ذلك المغني حمل فرنسا في كل أغانيه..


وأحتاج أن أعرج قليلاً لتأكيد أن ذائقتنا الفنية الغنائية مرتفعة بما يتسامى مع قمم الغناء العربي، وللتأكيد على تلك الذائقة ما قامت به هيئة الترفيه، في أنشطة سابقة، فليس هناك بلد يقوم بإنعاش الذاكرة الفنية الأصيلة، كما قامت به هيئة الترفيه في موسم الرياض سابقاً، فمن خلال ليالٍ استحضرت فيها روائع الفن الغنائي من خلال عباقرته، خصصت ليالي لتكريم من طرز الذاكرة العربية بالروائع التي لا تنسى.. ولو أردنا ذكر تلك الليالي وتكريم رموزها، فلن نتعب ونحن تستذكر ما الذي أحدثته الرياض من إنعاش الذاكرة، والتسامي بعودة الذائقة السامية للفن.


هذا الدور الراقي هو تقدير، وتثمين لمن صاغ الوجدان العربي: كلمة، ولحناً، وأداء، وكذلك استشهاد أن البلد الذي يقوم بهذا التكريم ما هو إلا بلد حريص على إبقاء الفن راقياً..


كما يمكن قياس ذائقتنا الفنية من خلال مواطنينا، فهم في هذا الجانب ينطبق عليهم المثل الشهير (لا يعجبه العجب، ولا الصيام في رجب)..


وعودة لبدء، وللتأكيد على أهمية الدراما والسينما كوعاء ضامن لكينونة البلد ثقافياً وعمقاً تاريخياً، ولربما نهضت الفنون المحلية بأدوارها وفق الإمكانات المتاحة سابقاً، والذي جد في حقولنا الثقافية هي السينما، وكذلك الدراما، وهما قوتان ناعمتان فاعلتان، يمكن استيعاب تلكؤ أدوارهما بسبب الجدة أو بسبب تهافت الإدراك عن خطورتهما في استنهاض الكينونة الثقافية للبلد، ففي السابق كنا نتعذر بغياب السينما، ونتغاضى عن هزال الدراما كون المنشغلين بها وتحديداً (طاش ما طاش) يقومون بدور تنويري مناهض للتشدد الديني، أما الآن، ومع قفزات البلد لا نريد تهريجاً، وإنما نريد فنّاً يقاس بما تم تحقيقه على أصعدة كثيرة.


وأنا لست وصيّاً على رفض ذلك التهافت، وإنما أعبّر عن ذائقتي لما أشاهده ولا يرضيني. نعم الحياة مستمرة بالغث والسمين لكن من لدية ذائقة تعب في تنميتها عليه رفض الأفلام أو المسلسلات المتداعية.