رحل سعيد السريحي -يرحمه الله- سريعًا، تاركًا أثرًا بالغ التأثير. لم يكن سعيد طيفًا عابرًا، بل نقشًا أصيلًا عبقريًا في فنّه. عرفته منذ زمن طويل فتىً مهوسًا بعالم لم يكن يعيشه أقرانه. مشروع مدرسة تجد في بناء أساسها. كان لا يكاد يلهو رغم حب الفكاهة والظرافة. صاخب لا يتكلم، ومفوّه يكتب تاريخًا بصمت مطبق. سعيد السريحي صاحب مشروع تجاوز فيه النقد الأدبي التقليدي إلى «نقد الثقافة»؛ ففكك الخطابات السائدة حول مفاهيم مثل الكرم (كتاب «حجاب العادة») والقهوة (كتاب «غواية الاسم»)، كاشفًا عن الأبعاد الأيديولوجية والاجتماعية المضمرة فيها. كتابه «الكتابة خارج الأقواس» الذي هو في حقيقته شعاره الفكري، حيث دعا فيه إلى تجاوز الأطر الفكرية والتقليدية المغلقة (الأقواس) نحو آفاق أكثر اتساعًا وحرية، معتمدًا في سيرته الذاتية أسلوبًا يتجاوز الواقعية نحو «التخييل الذاتي». يمزج بين الواقعي والمتخيّل في كتابة الذات، متجاوزًا الشكل التقليدي للسيرة. سعيد السريحي مدرسة فكرية قلّ أن يجود الزمان بمثلها. ولأنها كذلك فقد حورب من أهل الغفوة في وقت كانت لهم السطوة والكلمة.

المدارس الفكرية لا يرهبها التخويف والترويع والإفزاع. وهذا ديدن السريحي، فقد عُرف الراحل بمواقفه الصريحة، وأشهرها قضية منعه من درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى (1989) بسبب أطروحته «حركة التجديد في اللغة الشعرية»، بقرار مثير للجدل، مما جعله أيقونة للصراع بين التقليد والتجديد.

الدكتور والمفكر سعيد السريحي المدرسة التي سيخلّدها الزمان، التي انتقلت من تحليل النص الأدبي إلى تفكيك «المقدس الثقافي» الذي يحكم مجتمعه. إن التفكيك الأركيولوجي الذي شغل الدكتور السريحي جعله يحفر في الظواهر اليومية (كالكرم والقهوة) ليكشف عن خلفياتها السلطوية.

لقد أحسنت صنعًا مؤسسة «عبق الثقافة» بالتعاون مع جمعية الأدب المهنية بعمل أمسية التلويحة الأخيرة لتأبين الراحل الدكتور سعيد السريحي رحمه الله. في هذه الأمسية سعى القائمون عليها إلى إلقاء الضوء على جوهر عبقرية السريحي الذي لم يطبّق المناهج الغربية (مثل التفكيكية) تقليدًا، بل أسّس منهجًا هجينًا: مزج الأصالة بالمعاصرة؛ استلهم من التراث البلاغي العربي، خاصة نظرية عبدالقاهر الجرجاني في النظم، ودمجها مع الرؤى النقدية الحديثة. هذا جعله يتجاوز الانبهار «بالغرب» أو التقييد بـ«التراث». في نقده الثقافة كإستراتيجية تحوّل من «نقد الشعر» إلى «نقد الخطابات» التي تشكّل الوعي الجمعي، وهو ما يسميه الباحثون «الأسس المنهجية وتحوّلاتها» في خطابه.

الدكتور السريحي كان «محوريًا في تشكيل الخطاب النقدي في السعودية». لم يكن يعمل بمفرده، بل أسّس مع جيله (جيل السبعينيات والثمانينيات) ما يمكن تسميته «حداثة نقدية مؤجلة»، حيث كسروا حاجز «النقد الانطباعي» نحو «النقد العلمي».

وختامًا، التلويحة وحدها لا تكفي. فالدكتور السريحي ليس بحاجة إلى تأبين عابر، بل إلى مؤسسة حقيقية تتبنى مدرسته الفكرية. إن منهجه الهجين، الذي مزج بين أصالة الجرجاني وحداثة فوكو، وأسّس لعلم «أركيولوجيا الثقافة»، يستحق أن يدرّس في الأقسام الأكاديمية، وأن تخصّص له ورش عمل ومطبوعات. نأمل من وزارة الثقافة - ممثلة بهيئة الأدب والنشر والترجمة - أن تطلق «مشروع السريحي للتجديد النقدي»، تخليدًا لرجل قضى عمره خارج الأقواس، ليُدخل الأجيال القادمة إلى فضاءات النقد والتنوير.. رحم الله الفقيد الذي يستحق أن تدرس مدرسته الفكرية.