في المؤسسات كلها، عادةً ما إن تنتهي من مهمة أو خدمة تُقدَّم للمستفيد، إلا ويصلنا رابط لقياس مدى الرضا عن الخدمة. أصبحت هذه الروابط جزءاً مألوفاً من يومنا العملي، نفتحها أحياناً بدافع المسؤولية، وأحياناً بدافع العادة، ونُجيب عن أسئلة تتكرر بصيغ مختلفة: كيف كانت سرعة الإنجاز؟ هل كان الموظف متعاوناً؟ هل كانت الإجراءات واضحة؟
وأنا أتأمل هذه الأسئلة، يلفتني دائماً أنها تدور حول ما هو ظاهر وقابل للقياس، وكأن التجربة تُختصر في أرقام تُجمع ونِسب تُعرض في تقارير أنيقة ومنظمة، لكن في المقابل، هناك جانب كامل من التجربة لا يظهر في أي نموذج، ولا يجد له خانة للاختيار.
ذلك الجانب يتعلق بالإنسان نفسه.. بالموظف الذي قدّم الخدمة، هل كان مرتاحاً وهو يؤدي عمله؟ هل شعر بالتقدير أم أنه كان يُنجز مهمته كواجب ثقيل؟ هل كان حاضراً بشغفه، أم فقط يؤدي ما عليه وينتظر نهاية اليوم؟
هذه الأسئلة، رغم بساطتها، إلا أنها تمس جوهر ما يمكن أن نسميه «جودة الحياة الوظيفية». هذا المفهوم الذي لا يُقاس بسهولة، ولا يظهر مباشرة في مؤشرات الأداء، لكنه حاضر في كل تفصيلة صغيرة داخل بيئة العمل؛ لأن ما يقدمه الموظف لا ينفصل عن شعوره، بل هو انعكاس مباشر له، حتى وإن حاول إخفاءه.
من هنا، أجد أن الاكتفاء بقياس رضا المستفيد وحده لا يكفي لرسم صورة حقيقية عن جودة الخدمة. فقبل أن نسأل المستفيد عن تجربته، ربما يجدر بنا أن نسأل من قدّم هذه التجربة: كيف كان شعورك وأنت تقوم بها؟
الفكرة ليست في استبدال الاستبيانات، بل في توسيع زاوية النظر. أن نضيف بعداً إنسانياً بسيطاً، يُمكّننا من فهم ما يحدث خلف الكواليس، قد يكون ذلك عبر أدوات سريعة وخفيفة، أو حتى عبر ثقافة تشجع الموظف على التعبير دون تردد، والهدف من وجهة نظري ليس التعقيد، بل الالتفات. لأن بيئة العمل التي تُنصت لمشاعر أفرادها، لن تنتظر تراجع الأداء لتتحرك، بل ستفهم الإشارات مبكراً. وحينها، تتحوّل جودة الحياة الوظيفية من شعار يُتداول، إلى ممارسة يومية تُعاش.
ببساطة، أرى أنه قد تبدو الخدمة للمستفيد هي المحطة الأخيرة، لكنها في الحقيقة تبدأ من الداخل.. من شعور الموظف نفسه. فإذا كان هذا الشعور متوازناً ومطمئناً، انعكس ذلك تلقائياً على كل ما يقدمه. أما إذا كان مثقلاً، فحتى أفضل الأنظمة لن تُخفي أثره بالكامل.
ختاماً.. ربما آن الأوان أن نسأل سؤالاً مختلفاً قليلاً.. ليس فقط: «هل أنت راضٍ عن الخدمة؟»، بل أيضاً: «كيف كان حال من قدّمها لك؟».


