أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1112.jpg&w=220&q=100&f=webp

منى العتيبي

شغف الرياضة والقرار !

أصدرت وزارة الرياضة قرارًا عن محاسبة أي شخص يمارس نشاطًا إعلاميًا رياضيًا من إثارة الكراهية والعنصرية والتعصب الرياضي، حيث لم يعد التعصب الرياضي مجرد انفعال عابر بعد مباراة أو رد فعل لحظي على قرار تحكيمي، بل تحوّل في بعض الأحيان إلى خطاب يومي يأكل ويشرب معنا في المنصات الإعلامية، وللأسف هذا الخطاب يجد من يضخّمه ويمنحه شرعية تحت ستار «الإثارة» أو «رفع نسب المشاهدة»، لذلك، فإن قرار منع أي شخص يمارس نشاطًا إعلاميًا رياضيًا من إثارة الكراهية والعنصرية والتعصب الرياضي، لا يمكن النظر إليه باعتباره تقييدًا للرأي، بل خطوة ضرورية لحماية الرياضة من التشوه الذي أصاب رسالتها الأساسية.

الرياضة في جوهرها مساحة للتنافس الشريف، وبناء الجسور بين الناس، وتعزيز قيم الانتماء والعمل الجماعي والاحترام المتبادل. لكنها تفقد كثيرًا من جمالها عندما تتحوّل بعض المنابر الإعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات وتأجيج المشاعر وإعادة إنتاج الانقسام بين الجماهير. وحين يصدر خطاب التعصب من شخص يمتلك منبرًا إعلاميًا وتأثيرًا واسعًا، فإن أثره يتجاوز حدود رأيه الشخصي؛ لأنه يسهم في تشكيل الوعي العام وتوجيه المزاج الجماهيري، خصوصًا عند الفئات الجماهيرية الأصغر سنًا.

ولعل الشواهد القريبة تؤكد أن أخطر ما يواجه الوسط الرياضي ليس الخسارة داخل الملعب، بل الخسارة الأخلاقية خارجه، فكثير من حالات الاحتقان بين الجماهير بدأت من عبارة مستفزة، أو من توصيف يحمل ازدراءً، أو من اتهام غير مسؤول أطلقه إعلامي أو صانع محتوى، ثم تحوّلت إلى موجات من الإساءة والتنمر والكراهية عبر المنصات الرقمية. وفي المقابل، أثبتت التجارب أن الخطاب المهني المتزن قادر على امتصاص التوتر، وتهدئة المشهد، وتقديم نموذج راقٍ للاختلاف.

الإعلام الرياضي ليس مهمته صناعة الخصومات، بل تفسير الأحداث، وتقديم النقد المهني، وطرح الأسئلة المشروعة، ومحاسبة الأداء بمعايير عادلة. هناك فارق كبير بين النقد والتجريح، وبين التحليل والتحريض، وبين الدفاع عن نادٍ تحبه والتحوّل إلى خصم لكل من يخالفك الانتماء. حرية الرأي لا تعني منح الضوء الأخضر لخطاب يزرع الكراهية ويغذي التعصب والعنصرية، بل تزداد قيمتها حين تقترن بالمسؤولية.

ومن المهم أيضًا أن ندرك أن هذا القرار لا يستهدف قتل «الشغف» الرياضي وتاريخه الجماهيري العريق أو صناعة إعلام باهت بلا روح، بل يسعى إلى إعادة ضبط البوصلة المهنية، فالإثارة الحقيقية تأتي من جودة الطرح وعمق التحليل والسبق المهني، لا من رفع سقف الإساءة أو المتاجرة بمشاعر الجماهير.

لقد حقّقت الرياضة السعودية خلال السنوات الأخيرة قفزات نوعية وحضورًا عالميًا لافتًا، وأصبحت جزءًا من صورة المملكة الحديثة وطموحاتها الكبيرة. ومن الطبيعي أن يواكب هذا الحضور إعلام رياضي أكثر نضجًا ومسؤولية، يعكس قيم المجتمع، ويعزّز التنافس الشريف، ويحترم التنوع في الانتماءات الرياضية دون أن يحولها إلى معارك مفتوحة.

فالانتصار الحقيقي لا يتحقّق فقط بحصد البطولات، بل أيضًا بالقدرة على تقديم نموذج حضاري في الاختلاف، وإثبات أن الشغف بالرياضة يمكن أن يجتمع مع الاحترام، وأن المنافسة مهما اشتدت لا ينبغي أن تفقد قيمتها الأخلاقية.

ختامًا.. للرياضة تاريخها الشعبي والثقافي العريق، وجماهيرها المتنوعة التي نجحت عبر السنوات في صناعة حياة اجتماعية وثقافية خاصة بها، ومختلفة عن غيرها من المجالات. لذلك، يبقى من الضروري ضبط الممارسات غير الأخلاقية حتى لا تفقد الرياضة قيمتها الحضارية، ولا يطغى التعصب على ما تحمله من معانٍ جميلة في التنافس والشغف والانتماء.

منذ 18 ساعة

الدوام المرن والدائري الثالث!

هناك أشياء صغيرة، وقد تكون غير مرئية في تفاصيل يومنا، لا ننتبه إلى أثرها ولا نراها إلا حالما تتغيّر، من بينها ذلك الصباح الذي يبدأ على عجل، والوقت الذي يضيع بين الدائري الثالث والرابع وإشارات المرور المزدحمة بألوان السيارات الصارخة والهادئة، والالتزامات اليومية التي تجعل كثيرين يشعرون أنهم يركضون طوال اليوم بشغفٍ منطفئ، دون أن يجدوا مساحة كافية لأنفسهم أو لأسرهم.

ومع التحوّلات التي نشهدها اليوم في بيئات العمل، لم يعد النجاح مرتبطًا بعدد الساعات التي نقضيها خلف المكاتب، بقدر ما أصبح مرتبطًا بما نحققه من نتائج وأثر وجودة في الأداء والإبداع، وهنا تكمن أهمية الدوام المرن كأحد النماذج الحديثة التي تعكس فهمًا أكثر عمقًا لاحتياجات الإنسان ومتطلبات الحياة التي صارت أسرع من لمح البصر.

فالدوام المرن لا يعني تقليل ساعات العمل أو التهاون في الإنجاز كما قد يعتقد البعض، بل يعني منح الموظف مساحة أكبر لإدارة وقته بطريقة أكثر كفاءة، بما يحقق مصلحة العمل من جهة، ويعزز جودة حياته من جهة أخرى. وحين يشعر الإنسان أن يومه أكثر توازنًا، وأنه قادر على أداء مسؤولياته المهنية دون أن يكون ذلك على حساب أسرته أو صحته أو حياته الشخصية، فإن ذلك ينعكس مباشرة على مستوى رضاه وإنتاجيته واستقراره النفسي.

ولعل أكثر المستفيدين من هذا النموذج هي الأسرة، فوجود قدر من المرونة في أوقات العمل يمنح الآباء والأمهات فرصة أكبر للحضور في تفاصيل الحياة اليومية لأبنائهم، ومتابعة شؤونهم، والمشاركة في المناسبات الأسرية، بعيدًا عن الشعور الدائم بأن العمل يلتهم الوقت كله ويلتهم بيوتهم. وهذا الأمر أراه مكسبًا واستثمارًا مستقبليًا في الاستقرار الاجتماعي والترابط الأسري. كما يفتح الدوام المرن المجال أمام الأفراد للاهتمام بصحتهم، وممارسة الرياضة، وتطوير مهاراتهم، والاستفادة من أوقاتهم بصورة أفضل. وهي أمور قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تشكّل في مجموعها جوهر مفهوم جودة الحياة الذي تسعى إليه المجتمعات الحديثة.

ومن زاوية أخرى، فإن المؤسسات نفسها ستستفيد من الدوام المرن، فالموظف في هذا «الجو» حتمًا سيشعر بالثقة والمرونة من قبل مؤسسته، وسيكون أكثر التزامًا وانتماءً وإبداعًا، كما تصبح الجهات أكثر قدرة على استقطاب الكفاءات والمحافظة عليها، ولهذا سيصبح الدوام المرن ميزة وظيفية، كما سيصبح أحد المؤشرات على تطور بيئات العمل ونضجها.

كما أرى اليوم من المهم ألا تبقى هذه التجربة محصورة في مدينة الرياض أو في عدد محدود من الجهات، بل أن تمتد إلى مختلف مناطق المملكة ومدنها ومحافظاتها، وأن تشمل القطاعين الحكومي والخاص على حد سواء؛ ففوائد الدوام المرن لا ترتبط بمدينة دون أخرى، ولا بقطاع دون غيره، بل هي فرصة لتحسين جودة الحياة لملايين العاملين وأسرهم في مختلف أنحاء الوطن.

كما أرى أنه آن الأوان أن نعيد النظر في الطريقة التي نقيس بها نجاح العمل؛ فالسؤال الأهم لم يعد: كم ساعة أمضى الموظف في مكتبه؟ بل ماذا أنجز؟ وما القيمة التي أضافها؟ فالمستقبل اليوم قصته قصة أثر وإنجاز.

ختامًا.. هناك تغريدة لمعالي المستشار تركي آل الشيخ يقول فيها إن حكمته في الحياة أن يكون لاعبًا لا حكمًا؛ لأن الحكم يبحث عن الأخطاء، بينما اللاعب يسعى إلى تحقيق الأهداف. وهذه بالضبط هي قصة الدوام المرن: تحقيق الأهداف في الإنجاز من جهة، ودعم جودة الحياة للموظفين من جهة أخرى، بعيدًا عن زحمة الدائري الثالث!

00:00 | 5-06-2026

حياكم الله

عبارة موسم الحج لهذا العام «حياكم الله» تختصر روح المملكة كلها في موسم الحج، هي ليست شعاراً إعلامياً ولا جملة بروتوكولية، بل شعور حقيقي يلمسه الحاج منذ لحظة وصوله حتى مغادرته.

هذه العبارة تتجاوز كونها كلمة ترحيب، لتصبح مشروع دولة كامل يعمل خلفه رجال ونساء، وقطاعات، وخطط، وتقنيات، وقلوب تؤمن أن خدمة ضيوف الرحمن شرف قبل أن تكون مهمة.

وفي الإيجاز الصحفي الثالث لموسم حج 1447هـ، شعرت أن الحديث لا يستعرض أرقاماً أو إنجازات بقدر ما كان يعكس حجم الجهد الإنساني والتنظيمي المبذول، ويروي حكاية وطن يعرف جيداً معنى أن يتحمل مسؤولية ملايين البشر الذين قدموا من مختلف أنحاء العالم لأداء أعظم رحلة إيمانية.

وحين تحدث المتحدث الأمني لوزارة الداخلية العميد طلال الشلهوب عن التكامل الأمني والتنظيمي، حضرت في ذهني تلك الصورة التي نراها كل موسم: رجل أمن يقف تحت الشمس الطويلة بابتسامة هادئة، ينظم، يساعد، يطمئن، ويرشد بلغات قد لا يعرفها، لكن الإنسانية دائماً تعرف طريقها إلى الجميع.

نجاح الحج اليوم لا يقاس فقط بغياب المشكلات، بل بحجم الانسيابية والهدوء الذي يشعر به الحاج وسط هذه الأعداد المليونية. حركة الحشود بهذا المستوى من التنظيم لا تأتي صدفة، بل تصنعها سنوات من الخبرة والعمل والتراكم والمعرفة. واللافت أيضاً أن وعي الحجاج أصبح شريكاً أساسياً في النجاح. الالتزام بالتعليمات، وأوقات التفويج، والإرشادات الصحية، كلها تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها تصنع فارقاً كبيراً في موسم بهذا الحجم.

ومن زاوية أخرى، لفتني حديث الدكتور غسان النويمي عن دور القطاع غير الربحي وتمكينه في موسم الحج، لأن تجربة الحاج اليوم لم تعد مسؤولية جهة واحدة، بل أصبحت منظومة متكاملة تشارك فيها الجهات الحكومية والخاصة وغير الربحية، وكلها تعمل نحو هدف واحد: أن يؤدي الحاج نسكه بطمأنينة وكرامة وسهولة.

كما أن سرعة استقبال البلاغات والاستجابة لها تعكس عقلية جديدة تركز على خدمة الحاج قبل أي شيء آخر. هناك فرق كبير بين تقديم الخدمة، وبين أن يشعر الحاج فعلاً بأنه محل اهتمام ورعاية ومتابعة.

أما صحياً، فالمشهد هذا العام يستحق التوقف فعلاً. فرغم ارتفاع درجات الحرارة وكثافة الحشود، جاءت المؤشرات الصحية مطمئنة، وانخفضت حالات الإجهاد الحراري، وارتفعت مستويات الجاهزية. وهذا لم يحدث بالمصادفة، بل نتيجة عمل وقائي وتوعوي وتنظيمي بدأ قبل وصول الحجاج بوقت طويل.

وأعجبني أيضاً التركيز على مفهوم «الاستطاعة الصحية»؛ لأنه ينقل مفهوم الاستطاعة من مجرد القدرة على السفر، إلى القدرة الحقيقية على أداء المناسك بأمان صحي وجسدي. وهذا بحد ذاته تطور مهم في إدارة الحشود والرعاية الوقائية.

وفي جانب النقل، يبدو واضحاً أن المملكة لا تدير موسماً فقط، بل تبني مستقبلاً كاملاً للحج. مشاريع الطرق، وتقليص زمن الرحلات، وتطوير الربط بين جدة ومكة، وحتى تجارب تبريد الطرق، كلها تؤكد أن التفكير لا يتوقف عند الحج الحالي، بل يمتد إلى تجربة الحج في السنوات القادمة.

الحقيقة أن أكثر ما يلفتني في مواسم الحج الأخيرة أن الخدمة لم تعد مجرد أداء واجب، بل أصبحت صناعة سعودية متكاملة في إدارة الحشود والخدمات الإنسانية والتقنيات والتنظيم.

ولهذا، حين نقول للحجاج «حياكم الله»، فنحن لا نقولها كعبارة ترحيب فقط، بل كوعد بأن هناك وطناً كاملاً يسخّر إمكاناته ليجعل هذه الرحلة أكثر أمناً وطمأنينة وراحة.

ختاماً.. المملكة السعودية لا تستقبل الحجاج فقط، بل تحتضنهم بمحبة، وتعمل بإخلاص ليعودوا إلى أوطانهم وهم يحملون تجربة إنسانية عاصية على النسيان.. وحياكم الله.

00:06 | 29-05-2026

ماذا يعني «أنسنة المدارس»؟

في لقائي أنا ونخبة من كتّاب وكاتبات الرأي مع الرئيس التنفيذي لمركز برنامج جودة الحياة، كان لافتًا حديثه عن أن مفهوم جودة الحياة في رؤية المملكة 2030 لا يقف عند حدود القطاعات الستة المرتبطة بالبرنامج، بل يمتد ليشمل مختلف تفاصيل الحياة اليومية للإنسان؛ من التعليم والصحة إلى البيئة الاجتماعية والاستدامة وتمكين الإنسان.

هذا الطرح يعكس بوضوح كيف تنظر الرؤية إلى الإنسان؛ بوصفه محور التنمية الحقيقي، وأن جودة الحياة ليست مشروعًا منفصلًا عن حياة الناس، بل أسلوب تفكير يُعاد من خلاله تشكيل المجتمع بصورة أكثر توازنًا وإنسانية.

وفي توقيت يحمل الكثير من الدلالات، جاءت انطلاقة مشروع «أنسنة المدارس» في مدينة مكة المكرمة؛ بوصفه واحدًا من المبادرات التي تُترجم هذا المفهوم على أرض الواقع؛ لأن المدرسة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل مساحة يومية يعيش فيها الإنسان سنواته الأولى، وتتشكّل داخلها شخصيته ومشاعره وعلاقته بنفسه وبالعالم.

وما يجعل هذه المبادرة مهمة فعلًا أنها لا تنظر إلى الطالب باعتباره رقمًا أكاديميًا أو نتيجة اختبار، بل كإنسان له احتياجات نفسية واجتماعية وعاطفية، يحتاج إلى بيئة يشعر فيها بالأمان والانتماء والاحترام.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لأنسنة المدارس؛ أن يتحول التعليم من تجربة تعتمد على التلقين والجمود إلى تجربة أكثر رحابة ووعيًا بالإنسان. فالمدرسة المؤنسنة لا يمكن قياسها فقط بجمال مرافقها أو تطوير بيئاتها البصرية، رغم أهمية ذلك، بل بما تتركه داخل الطالب من أثر نفسي وشعوري؛ في طريقة الاستقبال، وفي لغة الحوار، وفي مساحة التعبير، وفي احترام الفروق الفردية، وفي شعور الطالب بأنه مرئي ومقدَّر داخل مدرسته.

وهذه التفاصيل التي قد تبدو بسيطة هي في الحقيقة، ما يصنع العلاقة الصحية بين الإنسان والتعليم.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة العميقة بين أنسنة المدارس وجودة الحياة؛ لأن جودة الحياة لا تعني فقط جودة الخدمات، بل جودة المشاعر التي يعيشها الإنسان يوميًا. فالطالب الذي يتعلّم في بيئة أكثر إنسانية واتزانًا سيكون أكثر قدرة على التعلم والإبداع وبناء العلاقات الصحية، والأهم أنه سيكون أكثر تصالحًا مع ذاته ومجتمعه.

إن أثر هذه المبادرات لا يتوقف عند المدرسة وحدها، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله؛ فالإنسان الذي ينشأ في بيئة تعليمية رحيمة ومحفزة يكبر وهو أكثر وعيًا وتوازنًا وقدرة على المشاركة الإيجابية. ومع الوقت يتحول هذا الأثر إلى ثقافة مجتمعية تنعكس على جودة العلاقات، والإنتاجية، والانتماء الوطني، وحتى على الصحة النفسية العامة للمجتمع. ولهذا تبدو «أنسنة المدارس» خطوة رائدة تتجاوز مفهوم التطوير التقليدي للتعليم؛ لأنها تستثمر في الإنسان قبل أي شيء آخر. وكل مشروع يضع الإنسان في مركز اهتمامه هو في الحقيقة، مشروع يبني وطنًا أكثر استقرارًا ووعيًا وجودة حياة.

ختامًا، أرى أن هذه المبادرة تحمل قيمة تتجاوز حدود المدرسة نفسها؛ لأنها تقول، بصورة واضحة: إن بناء المستقبل لا يبدأ فقط من تطوير المناهج، بل من بناء إنسان يشعر أن له قيمة، وأن بيئته التعليمية تُشبه الحياة التي يستحق أن يعيشها.

00:53 | 22-05-2026

السعودي والحج

مع كل موسم حج، أطرب بالكتابة عن علاقة الإنسان السعودي بالحجاج؛ هذه العلاقة الشغوفة والمليئة بكل معاني الإنسانية والقدسية، حيث يعيش السعودي حالة من الشوق والسرور لاستقبال حجاج بيت الله الحرام وخدمتهم في أداء مناسكهم، فتمتلئ مكة المكرمة بالسعوديين القادمين من شمال المملكة وجنوبها وشرقها وغربها من أجل التسابق إلى خدمة ضيوف الرحمن.

موسم الحج في السعودية لا يشبه المواسم الأخرى؛ فهو الزمن الذي يشعر فيه الناس أن البلاد كلها تتحرك بقلب واحد، ليس لأن الحشود كبيرة فقط، وإنما لأن المشهد نفسه يشعل شيئًا قديمًا داخل الإنسان السعودي؛ شيئًا تربّى عليه دون أن يتعلّمه بشكل مباشر، وهو أن ضيف الحرمين ليس عابر سبيل، بل أمانة ومحبة ودعوة تمشي على الأرض.

لهذا لا تبدو خدمة الحجاج هنا عملاً رسميًا بقدر ما تبدو علاقة شخصية جدًا. فالسعودي يتعامل مع الحاج وكأنه يعرفه منذ زمن؛ يسأله إن كان متعبًا، ويفسح له الطريق بعفوية، ويركض ليشرح له اتجاهًا، ويشعر بارتياح داخلي غريب حين يرى الطمأنينة تعود إلى وجهه، وكأن راحة الحاج تنعكس مباشرة على قلب من يخدمه.

في مواسم الحج، يظهر الوجه الحقيقي للناس بعيدًا عن كل شيء آخر؛ فتجد شابًا يقف ساعات طويلة يوزع الماء دون أن ينتظر كلمة شكر، ورجلًا مسنًّا يدعو للحجاج كأنهم أبناؤه، وأمًّا تتابع نشرات الحج بلهفة وكأن أحد أفراد عائلتها هناك. حتى الأطفال يكبرون وهم يسمعون أن خدمة الحاج شرف، وأن الدعوة الصادقة من غريب قد تفتح للإنسان أبواب الخير كلها.

ما يميّز الإنسان السعودي في الحج أنه لا يشعر بأنه يقدّم معروفًا لأحد، إنما يشعر أن وجوده قرب هذه الرحلة العظيمة نعمة تخصّه هو، كتبها الله له كي يحظى بالأجر؛ لذلك يفرح بالموسم رغم التعب، ويشتاق إليه بعد انتهائه، ويشعر أن للحج روحًا مختلفة لا يمكن أن يفهمها تمامًا إلا من عاش تفاصيلها عن قرب.

ربما لهذا يعود ملايين الحجاج إلى بلادهم وهم يتذكرون شيئًا أبسط وأعمق من المباني والتنظيم؛ يتذكرون الإنسان السعودي نفسه، بهدوئه، وكرمه، وتلك المحبة التي تظهر في التفاصيل الصغيرة دون ضجيج.

ختامًا.. تظل خدمة حجاج بيت الله الحرام شرفًا للمواطن السعودي في ظل قيادته الرشيدة التي سخّرت كل غالٍ ونفيس لراحة الحجاج.

00:01 | 15-05-2026

المؤسسة الخالدة!

تبقى الثقافة هي العنصر الأقدر على حماية هوية المجتمعات من التآكل، لأنها لا تحفظ الموروث فحسب، بل تصنع طريقة الإنسان في النظر إلى نفسه ووطنه ومستقبله، ومن هنا، أجد إطلاق مؤسسة الأمير خالد الفيصل الثقافية خطوة تتجاوز إطار العمل الثقافي التقليدي، لتعلن عن مشروعٍ يحمل رؤية أعمق؛ رؤية تؤمن بأن الثقافة ليست نشاطًا هامشيًا، بل ركيزة من ركائز بناء الإنسان.

مؤسسة الأمير خالد الفيصل الثقافية تنطلق من فكرة واضحة ومُلهمة؛ المساهمة في بناء مجتمعٍ معتز بهويته ومنهجه، عبر آفاق ثقافية مبتكرة تستند إلى القيم الأصيلة، وتؤمن بأن الإبداع الحقيقي لا ينفصل عن الجذور، بل ينطلق منها نحو المستقبل.

ما يلفت الانتباه في هذا المشروع أنه لا يتعامل مع الثقافة بوصفها ذاكرة فقط، بل بوصفها حركة مستمرة قادرة على التأثير في الأجيال القادمة.. فحين تضع المؤسسة ضمن رؤيتها الوصول إلى حركة إبداع ثقافية أصيلة، فإنها تؤكد أن المستقبل لا يُصنع بالمعرفة وحدها، بل بالوعي أيضًا؛ وعيٍ يعرف قيمة اللغة، والفن، والشعر، والفكرة، ويُدرك أن الأمم تُقاس بعمقها الثقافي كما تُقاس بمنجزها الحضاري.

ولعل الأثر الأهم لمثل هذه المؤسسات يكمن في الجيل الجديد؛ الجيل الذي يعيش وسط انفتاحٍ هائل، وتدفقٍ سريع للأفكار والصور والاتجاهات. هنا تأتي أهمية أن يجد الشباب منصة ثقافية وطنية تعزز الانتماء دون انغلاق، وتدعم الابتكار دون أن يفقد الإنسان هويته. فالثقافة حين تكون أصيلة ومرنة في آنٍ واحد، تصبح قادرة على صناعة جيلٍ أكثر توازنًا، وأكثر وعيًا بذاته ومكانه في العالم.

كما أن اهتمام المؤسسة بتطوير المبادرات والتجارب الثقافية النوعية، وتنظيم الجوائز، ودعم الحراك الثقافي، يمنح المشهد السعودي مساحة أكثر اتساعًا للإبداع، ويحوّل الثقافة من فعل فردي إلى مشروع مجتمعي متكامل. فالمبدع لا يحتاج فقط إلى الموهبة، بل يحتاج إلى بيئة تؤمن به، وتحفظ إنتاجه، وتمنحه فرصة الوصول والتأثير.

أيضًا يحمل اهتمام المؤسسة بحفظ النتاج الفكري وتوثيق الملكية الثقافية دلالة بالغة الأهمية؛ لأن الأمم التي تحفظ ذاكرتها الثقافية، تحفظ صورتها أمام المستقبل؛ فالتوثيق هنا ليس إجراءً إداريًا، بل حماية للهوية من النسيان، وصونٌ لتجاربٍ صنعت جزءًا من الوعي السعودي والعربي.

إن ما يحدث اليوم في بلادنا الحبيبة السعودية ثقافيًا لم يعد مجرد نشاط موازٍ للتنمية، بل أصبح جزءًا أصيلًا منها. ولهذا تأتي هذه المؤسسة بوصفها شاهدًا على مرحلة جديدة، تُدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن بناء الوعي لا يقل أهمية عن بناء المدن.

ختامًا.. أجمل ما في مؤسسة الأمير خالد الفيصل الثقافية أنها تشبه صاحب التجربة نفسه؛ ستكون هادئة في حضورها، عميقة في أثرها، ومؤمنة بأن القصيدة يمكن أن تفعل أكثر مما يُظن... يمكن أن تبني جيلًا، وتحفظ هوية، وتفتح للوطن نافذةً أخرى على الجمال والمعرفة والحياة.

00:01 | 8-05-2026

ثمرة الرؤية واستثمارها

حين يصبح الإنسان محور الاستثمار، يتغيّر الزمن نفسه؛ فالمهارة التي تُبنى اليوم تختصر سنوات من التجربة غدًا، والفكرة التي تُزرع في ذهن جيل اليوم قد تتحوّل إلى مشروع يعيد تشكيل قطاع كامل. بهذا المعنى، لا تتحدث رؤية السعودية 2030 عن تنمية تقليدية، بل عن تسريع نضج الإنسان ليواكب عالمًا لا ينتظر.

الفكرة ليست تدريبًا مهنيًا تقليديًا، ولا مجرد رفع مهارات تقنية تلبي احتياج سوق العمل. ما يحدث اليوم أعمق من ذلك؛ إنه إعادة تعريف العلاقة بين الفرد ودوره في العالم. لم يعد المواطن متلقيًا لفرص تُصنع له، بل صانعًا لها، ومنافسًا عليها، ومُعيدًا تشكيلها وفق معايير عالمية. هذا التحوّل ينقل الإنسان من موقع «الانتظار» إلى موقع «المبادرة»، ومن دائرة «الاكتفاء المحلي» إلى أفق «التنافس الكوني».

في جوهر حكاية الرؤية، ثمة انتقال ذهني مهم: من فكرة «التوظيف» إلى فكرة «القيمة». لم يعد السؤال: أين سيعمل الفرد؟ بل: ماذا سيُضيف؟ هذه النقلة تعيد تشكيل طريقة التعليم والتدريب، بل وحتى الطموح الشخصي. فالتأهيل هنا لا يهدف فقط إلى سد فجوة، بل إلى خلق ميزة. والميزة لا تُستورد، بل تُبنى عبر تراكم التجربة، والانفتاح، والجرأة على المحاولة.

ومن زاوية أعمق، فإن الاستثمار في الإنسان ليس مسارًا قصير الأمد، بل رهان طويل يتطلب صبرًا على النتائج، وإيمانًا بأن الأثر الحقيقي يتشكّل ببطء لكنه يستمر. فعندما ترتفع كفاءة الإنسان، لا تتحسّن وظيفة واحدة فقط، بل تتحسّن منظومة كاملة تشمل جودة القرار، مستوى الابتكار، مرونة الاقتصاد، وحتى صورة الدولة في أعين العالم.

الأهم من ذلك أن هذا الاستثمار يعيد صياغة مفهوم «المنافسة». لم تعد المنافسة صراعًا صفريًا، بل ساحة لإثبات القدرة على التميّز. وعندما يُدفع الفرد ليكون في موقع متقدم عالميًا، فإن ذلك لا يعني فقط التفوق على الآخر، بل يعني، قبل كل شيء، تجاوز النسخة القديمة من ذاته.

ختامًا، يمكن القول إن الرهان الحقيقي ليس على ما سنبنيه خلال سنوات الرؤية، بل على نوع الإنسان الذي سيبقى بعدها؛ الإنسان الذي لا ينتظر التغيير بل يقوده، ولا يكتفي بمجاراة العالم بل يسهم في تشكيله. وهذا، في تقديري، هو الاستثمار الوحيد الذي لا يفقد قيمته مع الزمن.

00:01 | 1-05-2026

جودة الموظف الشعورية

في المؤسسات كلها، عادةً ما إن تنتهي من مهمة أو خدمة تُقدَّم للمستفيد، إلا ويصلنا رابط لقياس مدى الرضا عن الخدمة. أصبحت هذه الروابط جزءاً مألوفاً من يومنا العملي، نفتحها أحياناً بدافع المسؤولية، وأحياناً بدافع العادة، ونُجيب عن أسئلة تتكرر بصيغ مختلفة: كيف كانت سرعة الإنجاز؟ هل كان الموظف متعاوناً؟ هل كانت الإجراءات واضحة؟

وأنا أتأمل هذه الأسئلة، يلفتني دائماً أنها تدور حول ما هو ظاهر وقابل للقياس، وكأن التجربة تُختصر في أرقام تُجمع ونِسب تُعرض في تقارير أنيقة ومنظمة، لكن في المقابل، هناك جانب كامل من التجربة لا يظهر في أي نموذج، ولا يجد له خانة للاختيار.

ذلك الجانب يتعلق بالإنسان نفسه.. بالموظف الذي قدّم الخدمة، هل كان مرتاحاً وهو يؤدي عمله؟ هل شعر بالتقدير أم أنه كان يُنجز مهمته كواجب ثقيل؟ هل كان حاضراً بشغفه، أم فقط يؤدي ما عليه وينتظر نهاية اليوم؟

هذه الأسئلة، رغم بساطتها، إلا أنها تمس جوهر ما يمكن أن نسميه «جودة الحياة الوظيفية». هذا المفهوم الذي لا يُقاس بسهولة، ولا يظهر مباشرة في مؤشرات الأداء، لكنه حاضر في كل تفصيلة صغيرة داخل بيئة العمل؛ لأن ما يقدمه الموظف لا ينفصل عن شعوره، بل هو انعكاس مباشر له، حتى وإن حاول إخفاءه.

من هنا، أجد أن الاكتفاء بقياس رضا المستفيد وحده لا يكفي لرسم صورة حقيقية عن جودة الخدمة. فقبل أن نسأل المستفيد عن تجربته، ربما يجدر بنا أن نسأل من قدّم هذه التجربة: كيف كان شعورك وأنت تقوم بها؟

الفكرة ليست في استبدال الاستبيانات، بل في توسيع زاوية النظر. أن نضيف بعداً إنسانياً بسيطاً، يُمكّننا من فهم ما يحدث خلف الكواليس، قد يكون ذلك عبر أدوات سريعة وخفيفة، أو حتى عبر ثقافة تشجع الموظف على التعبير دون تردد، والهدف من وجهة نظري ليس التعقيد، بل الالتفات. لأن بيئة العمل التي تُنصت لمشاعر أفرادها، لن تنتظر تراجع الأداء لتتحرك، بل ستفهم الإشارات مبكراً. وحينها، تتحوّل جودة الحياة الوظيفية من شعار يُتداول، إلى ممارسة يومية تُعاش.

ببساطة، أرى أنه قد تبدو الخدمة للمستفيد هي المحطة الأخيرة، لكنها في الحقيقة تبدأ من الداخل.. من شعور الموظف نفسه. فإذا كان هذا الشعور متوازناً ومطمئناً، انعكس ذلك تلقائياً على كل ما يقدمه. أما إذا كان مثقلاً، فحتى أفضل الأنظمة لن تُخفي أثره بالكامل.

ختاماً.. ربما آن الأوان أن نسأل سؤالاً مختلفاً قليلاً.. ليس فقط: «هل أنت راضٍ عن الخدمة؟»، بل أيضاً: «كيف كان حال من قدّمها لك؟».

00:00 | 24-04-2026

سوق العمل والهوية..

أثار قرار إيقاف عدد من برامج وتخصصات العلوم الإنسانية في جامعة الملك سعود نقاشًا واسعًا، انقسم فيه الرأي العام بين مؤيد يرى في الخطوة استجابةً ضرورية لمتطلبات سوق العمل، ومعارض يخشى على مصير الهوية الثقافية والمعرفية. وبعيدًا عن الجدل، سأقرأ المشهد تجرّدًا من عاطفتي ومن زاوية أكثر هدوءًا وواقعية، تُوازن بين التحوّل التنموي والحاجة الإنسانية للمعرفة.

أولًا، لا يمكن إنكار أن الجامعة اليوم لم تعد مجرد مؤسسة لنقل المعرفة، بل أصبحت الجامعة اليوم شريكًا أساسيًا في صناعة سوق العمل. فالتحوّلات الاقتصادية التي نعيشها اليوم ومستقبلًا، والرهان على الاقتصاد المعرفي، يفرضان على الجامعات إعادة هيكلة برامجها بما يتواءم مع احتياجات المستقبل، المستقبل الحضاري والمستقبل النهضوي، من هذا المنطلق، قد يُفهم القرار كجزء من محاولة مواءمة المخرجات التعليمية مع متطلبات التنمية، خاصة في ظل رؤية تستهدف الكفاءة والتنافسية.

لكن في المقابل، يبرز سؤال الهوية: هل تراجع دور التخصصات الإنسانية واللسانية يعني تراجعًا في الوعي الثقافي؟ الواقع يشير إلى أن مصادر المعرفة لم تعد حكرًا على الجامعة؛ فالطالب اليوم يستطيع الوصول إلى محتوى معرفي ثري عبر منصات متعددة، ووجود مؤسسات متخصصة مثل مجمع الملك سلمان للغة العربية ومعهد الملكي للأنثروبولوجيا يعزز من حضور هذه العلوم خارج الإطار الأكاديمي التقليدي، ويمنحها مساحات جديدة للتأثير.

من رأيي أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القرار ذاته، بل في تبعاته على الطلبة؛ فهناك شريحة من الطلاب، خصوصًا في السنوات الأولى، يجدون أنفسهم اليوم في حالة من الضبابية أو «التيه» الأكاديمي. هؤلاء لم يخططوا لمسارات بديلة، وقد يشعرون بأن خياراتهم تقلصت فجأة! وهنا تظهر مسؤولية الجامعة ليس فقط في اتخاذ القرار، بل في إدارة أثره.

من المهم أن تُصمّم برامج انتقالية مرنة تستهدف هؤلاء الطلبة، تُعيد توجيههم نحو تخصصات قريبة أو مجالات جديدة، مع التركيز على تنمية مهاراتهم القابلة للنقل مثل التفكير النقدي، والبحث، والتحليل، والاتصال. وأيضًا يمكن تقديم مسارات مزدوجة أو دبلومات تكميلية تدمج بين الخلفية الإنسانية والمهارات التطبيقية، بحيث لا يشعر الطالب أنه فقد هويته المعرفية، بل أعاد تشكيلها بما يتناسب مع المرحلة.

ختامًا.. لا يجب أن يُنظر إلى القرار كإلغاء للعلوم الإنسانية، بل كتحوّل في طريقة تقديمها وموقعها والتحدي ليس في بقاء التخصص أو زواله، بل في قدرتنا على إعادة تعريف دوره في عالم يتغيّر ويركض زمنيًا بسرعة وبين ضرورات السوق وعمق الهوية، والرهان اليوم والمعادلة الأصعب: كيف نصنع إنسانًا منتجًا للمستقبل دون أن نفقده جذوره؟

00:01 | 17-04-2026

سيدة المدن الذكيّة

قرأت خبرًا عن تحقيق مدينة مكة المكرمة المركز الثالث محليًا والـ50 عالميًا ضمن مؤشر المدن الذكية (IMD Smart City Index) لعام 2026، كنتيجة تعكس تطور الخدمات الرقمية وتعزيز جودة الحياة للسكان والزوّار على حدٍ سواء.

هذا الحصاد لا يمكن فصله عن مسارٍ متكامل من العمل، استهدف تطوير البنية الرقمية، وتعزيز كفاءة الخدمات، وبناء تجربة أكثر سلاسة لكل من يعيش في مكة أو يقصدها. فالتحوّل لم يعد مرتبطًا بمشاريع منفصلة، بل أصبح نهجًا متصلاً يُعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية، من سهولة الوصول للخدمات إلى سرعة إنجازها، بالإضافة إلى أن هذا الإنجاز يؤكد قدرة مكة على إدارة (التنوع الإنساني) من قاصدي بيت الله الحرام بكفاءة عالية، وهذا أحد أكثر التحديات تعقيدًا في أي نموذج حضري.

ولو قرأنا المشهد وأثر تحقيق المركز الثالث محليًا، فهذا الحصاد يتجاوز كونه ترتيبًا تنافسيًا، ليُسهم في ترسيخ موقع مكة كمدينة قادرة على الموازنة بين خصوصيتها الدينية وثقلها العالمي، وبين متطلبات التطور الحضري الحديث، كما أن هذا الإنجاز/ الحصاد يعزز من ثقة المستفيدين، ويدعم جاذبية المدينة للاستثمارات والمبادرات النوعية، ويفتح المجال لمزيد من الابتكار في تقديم الخدمات، كما ذكرت في مقالة سابقة عن قيمة الاستثمار في مدينة مكة المكرمة، خاصة وأن مكة مدينة تتعامل مع أعداد هائلة من الزوّار سنويًا، يصبح لهذا التقدم بُعدٌ إستراتيجي، حيث ينعكس على تحسين إدارة الحشود، ورفع كفاءة التشغيل، وتقديم تجربة أكثر راحة وانسيابية، دون الإخلال بهوية المكان وروحه وما تحقّق اليوم هو نتيجة، لكنه في الوقت ذاته نقطة انطلاق.

ختامًا..

مكة لا تتوقف عند الأرقام، بل تبني عليها... لتواصل تطوير نموذجٍ حضري يُعلي من جودة الحياة، ويجعل من التقنية وسيلة لخدمة الإنسان، لا غاية بحد ذاتها.

00:03 | 10-04-2026