أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1112.jpg&w=220&q=100&f=webp

منى العتيبي

المنتدى الذي يصنع ما بعد الخبر..

مع إعلان انطلاقة المنتدى السعودي للإعلام في نسخته السادسة خلال فبراير للعام القادم، يراودني سؤال أراه أهم من عدد المتحدثين وأوراق العمل وجلساته: ماذا سيبقى بعد أن ينتهي المنتدى ويغلق أبوابه وتُطفأ الأضواء؟ هذا السؤال هو الذي يجعلني أنظر إلى المنتدى السعودي للإعلام بوصفه مشروعًا للمستقبل أكثر من كونه حدثًا سنويًا، فاليوم لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأخبار، بل أصبح شريكًا في صناعة الاقتصاد، وبناء السمعة الوطنية، وتحفيز الابتكار، وصياغة الصورة الذهنية للدول ومن هنا تأتي أهمية المنتدى؛ فهو لا يجمع المهنيين لمناقشة واقع المهنة، بل يضعنا أمام مسؤولية رسم ملامح إعلام السنوات المقبلة، في زمن تتغيّر فيه الأدوات وتتطور المهارات وتظهر الأصوات الجديدة على المنصات الرقمية.

وما يلفت الانتباه أن المنتدى تطور من منصة للحوار إلى مساحة لإطلاق المبادرات، وعقد الشراكات، واستقطاب الخبرات العالمية، وهو تحوّل مهم ومطلوب؛ لأن مستقبل الإعلام لن يُصنع بالخطب، وإنما بالمشروعات التي تتحوّل إلى واقع، وبالاستثمارات في الإنسان والتقنية، وبالقرارات التي تخرج من قاعات النقاش إلى غرف الأخبار، وشركات الإنتاج، ومنصات المحتوى. وأتصور أن الأثر الحقيقي لهذا المنتدى خلال السنوات المقبلة سيظهر في أكثر من اتجاه؛ أولها بناء جيل إعلامي جديد يمتلك أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وصناعة المحتوى الرقمي بلغات متعددة، لا باعتبارها مهارات إضافية، بل بوصفها أساسًا للمهنة.. وثانيها تعزيز التكامل بين الإعلام والقطاعات الأخرى؛ فالسياحة، والثقافة، والرياضة، والاستثمار، وحتى التعليم، أصبحت بحاجة إلى إعلام متخصص قادر على تحويل الإنجازات إلى قصص تصل إلى العالم. كما أن المنتدى يملك فرصة كي يصبح منصة سنوية لتوليد الأفكار الإعلامية، تُطلق منها المبادرات، ثم نختبر ونتابع نتائجها في النسخة التالية، وحينها لن يكون النجاح مرتبطًا بعدد الحضور، وإنما بعدد المبادرات التي تحوّلت إلى مشاريع، وعدد الشركات الناشئة التي وجدت فرصتها، وعدد الكفاءات الوطنية التي انتقلت من مقاعد الحضور إلى منصات القيادة الإعلاميّة في وطننا.

وأرى أن المملكة بلادنا الغالية وهي تستعد لاستحقاقات عالمية كبرى خلال السنوات القادمة، تحتاج إلى إعلام يسبق الحدث، لا يكتفي بتغطيته، ويصنع الرواية قبل أن يصنعها الآخرون. وهذا الدور لا يتحقق إلا بوجود منصة تجمع صنّاع القرار بالإعلاميين والمبتكرين وشركات التقنية في مكان واحد، وهو ما يقدّمه المنتدى عامًا بعد عام؛ لذلك فإن النسخة السادسة ليست محطة جديدة في روزنامة المؤتمرات، بل خطوة أخرى في بناء صناعة إعلامية سعودية أكثر تأثيرًا وتنافسية وصدارة وتمكينًا.. وإذا استمر المنتدى في تحويل الأفكار إلى مبادرات، والمبادرات إلى نتائج قابلة للقياس، فإنه لن يكون مجرد ملتقى للإعلام، بل أحد المحركات التي تصنع مستقبل الإعلام السعودي، وتعزز حضوره بوصفه نموذجًا عالميًا يواكب التحوّل، ويقوده أيضًا.

ختامًا.. القيمة الحقيقية لأي منتدى لا تكمن فيما يُقال على منصاته ومنشوراته، بل فيما يتحول إلى أثر بعد انتهائه؛ فالإعلام الذي يصنع المستقبل هو الإعلام الذي يبدأ بالفعل، لا بالحديث عنه، لذلك كله واصل المنتدى السعودي للإعلام مشواره السادس لصناعة ما بعد الخبر.

00:00 | 24-07-2026

100 متطوع لا يكفي!

حين قرأت خبر اتفاقية التعاون بين اللجنة المحلية المنظمة لكأس آسيا 2027 وجامعة الملك عبدالعزيز لدعم استضافة البطولات الرياضية، استوقفني ما تضمّنته من أهداف تتجاوز تنظيم بطولة رياضية إلى البحث العلمي، والابتكار، والاستدامة، والعمل التطوعي. هذا هو الاستثمار الحقيقي في الأحداث الكبرى؛ أن يبقى أثرها بعد انتهاء البطولة.

لكنني توقفت عند رقم واحد: «100» متطوع من منسوبي وطلاب الجامعة. والسؤال الذي دار في ذهني لم يكن عن الرقم نفسه، وإنما عن الفكرة.. إذا كانت التجربة ناجحة ومجدية، فلماذا لا تتوسع؟ ولماذا تبقى محصورة في جامعة واحدة، بينما يمكن أن تتحوّل إلى مشروع وطني يشارك فيه طلاب وطالبات المرحلة الثانوية في المنطقة الغربية، بحيث تتولى جامعة الملك عبدالعزيز عملية استقطابهم، وتعمل بقية الجامعات على المنوال نفسه؟ خاصةً ونحن لا نستضيف كأس آسيا فحسب، بل نبني جيلاً سيستقبل العالم في مناسبات رياضية متلاحقة، وصولاً إلى كأس العالم 2034. وهذا يتطلب أن نبدأ مبكرًا في صناعة الإنسان، لا أن ننتظر موعد البطولة ثم نبحث عن المتطوعين والمتطوعات.

طالب المرحلة الثانوية اليوم هو طالب الجامعة بعد سنوات قليلة، وإذا بدأ التدريب منذ هذه المرحلة، فسيصل إلى البطولات الكبرى وهو يمتلك خبرة عملية في التنظيم، والتواصل، والعمل الجماعي، والقيادة، والإعلام، والضيافة، والبروتوكول، وإدارة الفعاليات. وهي مهارات لا تقل أهمية عن أي مقرر دراسي.

أتمنى أيضًا أن يكون هناك برنامج تطوعي يحمل، على سبيل المثال، اسم «صُنّاع البطولات»، تشارك فيه إدارات التعليم في مختلف المناطق، وتتنافس المدارس على إعداد أفضل الفرق التطوعية، ويحصل المشاركون على برامج تدريبية، وساعات تطوعية معتمدة، وشهادات احترافية، وفرص للمشاركة في البطولات المحلية والدولية. عندها لن يكون التطوع مجرد مشاركة مؤقتة، بل رحلة لبناء الشخصية الوطنية.

ولِمَ لا يمتد البرنامج إلى مسابقات في الابتكار، والإعلام الرياضي، والترجمة، والتصميم، وصناعة المحتوى، وتقنيات الفعاليات؟ فكل بطولة تحتاج إلى أكثر من لاعب وحكم؛ إنها تحتاج إلى عقول شابة تدير، وتبتكر، وتقدّم صورة المملكة للعالم، خاصةً أن نجاح أي بطولة لا يُقاس فقط بحضور الجماهير أو جودة الملاعب، بل بعدد الشباب الذين خرجوا منها وهم أكثر خبرة، وأكثر ثقة، وأكثر استعدادًا للمستقبل.

ختامًا... إذا كان الهدف اليوم 100 متطوع، فربما يكون الهدف الحقيقي الذي يستحق أن نعمل من أجله هو عشرة آلاف شاب وشابة، يحمل كل واحد منهم قصة نجاح بدأت بفرصة تطوعية، وانتهت بصناعة مستقبل.

00:02 | 17-07-2026

مختبر التعليم

توقفت طويلًا عند خبر إشادة البنك الدولي بالبيئة التجريبية للذكاء الاصطناعي في التعليم بالمملكة، ليس لأن الإشادة جاءت من جهة دولية، فهذا جانب مهم بلا شك، وإنما لأنني شعرت أن كثيرين قد يقرأون الخبر بوصفه خبرًا تقنيًا، بينما هو في الحقيقة خبر عن طريقة جديدة في التفكير، فما الذي يعنيه أن يصبح لدينا «مختبر» للتعليم؟ في البداية، أرى أن هذه التجربة ليست مجرد أداة تقنية، بل ثقافة مؤسسية جديدة؛ فالتعليم اليوم لم يعد يحتمل الحلول التقليدية.. الطالب يتغيّر، والمعرفة تتغيّر، وسوق العمل يتغيّر بسرعة غير مسبوقة، ولذلك فإن المؤسسات التعليمية تحتاج إلى أن تتغيّر بالسرعة نفسها، ولكن بذكاء لا بعشوائية.

ومن هنا تأتي قيمة البيئة التجريبية التي تمنح المعلم والمتعلمين فرصة لتجربة أدوات جديدة تساند الابتكار والإبداع، وتمنحهم وقتًا أكبر لما لا تستطيع التقنية القيام به «بناء الإنسان»، كما تمنح متخذ القرار بيانات حقيقية بدلًا من الانطباعات، فيعرف ما الذي نجح، ولماذا نجح، وما الذي يستحق أن يصل إلى جميع بيئات التعليم وميادين المعرفة. لكنني أرى أن الأثر الأبعد لهذا المشروع يتجاوز حدود الفصول الدراسية؛ فحين تمتلك دولة بيئة يختبر فيها الباحثون والمبتكرون والشركات حلولهم التعليمية، فإنها لا تصبح مستهلكة للتقنية فحسب، بل شريكًا في إنتاجها. ومع الوقت، قد تتحوّل الأفكار التي وُلدت داخل هذه البيئة إلى منتجات سعودية، وشركات ناشئة، وتجارب تستفيد منها أنظمة تعليمية في دول أخرى. وهنا يصبح التعليم محركًا للاقتصاد، لا قطاعًا خدميًا فقط.

ولعل أجمل ما في الفكرة أنها لا تبحث عن الحل الكامل منذ البداية، بل تؤمن بأن الوصول إلى أفضل الحلول يبدأ بالتجربة، ثم التعلم، ثم التطوير المستمر وهذه هي العقلية التي صنعت تقدّم كثير من الدول: أن تمنح الأفكار فرصة لتُختبر قبل أن يُحكم عليها. ولذلك، فإن إشادة البنك الدولي ليست مجرد شهادة نجاح لمشروع، بل هي اعتراف بأن المملكة تبني نموذجًا مختلفًا في تطوير التعليم؛ نموذجًا يقوم على الابتكار، والقياس، والاستدامة، وصناعة المعرفة. وتبرز هنا فكرة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن البيئة التجريبية لا ينبغي أن تُقاس فقط بما تضيفه من أدوات ذكية، بل بما تخلقه من عقلية تعليمية مرنة. فالمعلم الذي يعتاد على التجربة والقياس يصبح أكثر قدرة على تطوير ممارساته، والطالب الذي يتعلم في بيئة تسمح له بالاستكشاف يصبح أكثر استعدادًا للتعامل مع عالم سريع التغيّر، أما المؤسسة التعليمية فتتحوّل من جهة تنتظر الحلول إلى جهة تصنع الحلول وتطورها. ومن زاوية أخرى، فإن هذه البيئة تفتح الباب أمام شراكة أعمق بين التعليم والبحث العلمي والقطاع الخاص. فالابتكار الحقيقي لا يولد في عزلة، بل في مساحة يلتقي فيها الميدان التعليمي مع الباحث والمطور ورائد الأعمال. وحين تتكامل هذه الأطراف داخل بيئة اختبار آمنة ومرنة، فإننا لا نطور أدوات تعليمية فحسب، بل نبني منظومة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والأفكار إلى تطبيقات ذات أثر ملموس. كما أن قيمة هذا النموذج تكمن في أنه يرسخ مبدأ التعلم المستمر للمؤسسات، فكما يتعلم الطالب داخل الصف، تتعلم المؤسسة من نتائج التجارب، ومن البيانات، ومن الملاحظات المتراكمة. وهذا النوع من التعلم المؤسسي هو ما يجعل التطوير مستدامًا؛ لأنه لا يعتمد على قرار عابر أو مشروع مؤقت، بل على دورة دائمة من الاختبار والتحسين والتوسع.

ختامًا.. أرى أن الخبر يحمل رسالة أعمق من مجرد إشادة دولية؛ إنه يشير إلى أن المملكة لا تكتفي بتبني تقنيات المستقبل، بل تبني بيئة قادرة على إنتاج مستقبل التعليم ذاته. وهذه هي النقلة النوعية الحقيقية: أن يصبح التعليم مساحة للتجريب الواعي، ومنصة لصناعة المعرفة، وجسرًا يربط بين طموح الإنسان وإمكانات التقنية في خدمة التنمية وبناء الإنسان.

00:01 | 10-07-2026

قبل كأس العالم.. أين نزرع المنتخب؟!

بعد المشاركة الأخيرة للمنتخب السعودي في كأس العالم، أرى أن الوقت قد حان لنحوّل أنظارنا إلى كأس العالم 2034، لا بوصفه موعداً رياضياً ننتظره، بل مشروعاً وطنياً يبدأ من اليوم، حيث ألاحظ أن معظم النقاشات تدور حول الملاعب، والبنية التحتية، والمواصلات، والفنادق، والصورة التي سنقدّمها للعالم. وكل ذلك، بلا شك، مهم، بل مهم جداً، لكنه ليس الأهم بالنسبة لي.

ما يشغلني أكثر هو المنتخب السعودي نفسه، والسؤال الذي أراه أكثر إلحاحاً من أي سؤال آخر هو: هل بدأنا بالفعل بناء المنتخب الذي يستحق أن يكون وجه المملكة في هذا الحدث التاريخي؟

المنتخبات الكبرى لا تبدأ من بطولة، ولا من مدرب جديد، ولا من قائمة لاعبين جاهزة، بل تبدأ من طفل في العاشرة من عمره يركض خلف الكرة في ملعب بسيط، وهو يحمل حلماً كبيراً. أما انتظار لاعب بلغ الخامسة والعشرين ثم البحث عن حلول سريعة، فهو غالباً محاولة لتعويض سنوات كان يفترض أن تُستثمر مبكراً، إذا أردنا أن يكون كأس العالم 2034 بطولة سعودية بكل تفاصيلها، فعلينا أن نتعامل مع السنوات القادمة بوصفها معسكر إعداد يمتد لعقد كامل، لا لموسم أو موسمين.

وأعتقد أن البداية الحقيقية ليست في استقطاب المواهب فحسب، بل في إعادة تعريف معنى «الموهبة» نفسها. فنحن ما زلنا نقيس اللاعب بعدد أهدافه أو بسرعته أو بمهارته الفردية، بينما كرة القدم الحديثة تقيس أشياء أعمق؛ مثل سرعة اتخاذ القرار، والذكاء تحت الضغط، والقدرة على قراءة الملعب قبل وصول الكرة، والتكيّف مع تغيّر إيقاع المباراة. وهذه القدرات لا تُولد مكتملة، بل تُبنى بالتدريب المتخصص، وتترسّخ كلما بدأت في عمر مبكر.

من هنا، أتمنى إنشاء برنامج وطني خاص بالمنتخب السعودي لكرة القدم، يبدأ من عمر العاشرة، ولا يكتفي باختيار أفضل اللاعبين، بل يعمل على صناعة أفضل العقول الكروية. برنامج يجمع بين التدريب البدني، والتحليل الذهني، والتغذية، وعلم النفس، واللغة الإنجليزية، والإعلام؛ لأن لاعب كأس العالم اليوم لا يمثل ناديه فقط، بل يمثل وطناً كاملاً داخل الملعب وخارجه.

ولدي فكرة أرى أنها قد تصنع فارقاً حقيقياً؛ لماذا لا يكون لكل لاعب موهوب «جواز تطوير» رقمي يرافقه منذ سن العاشرة؟ لا يقتصر على تسجيل الأهداف أو عدد المشاركات، بل يوثق تطوره الذهني، وانضباطه، وسرعة تعلمه، ونسبة تحسّن قراراته داخل المباراة، وحتى استجابته للضغوط. عندها لن نحكم على اللاعب بلقطة جميلة أو مباراة استثنائية، بل بمسار نمو متكامل يمتد سنوات.

ولدي أيضاً فكرة أخرى تستحق التجربة. بدلاً من جمع المواهب في معسكرات قصيرة تنتهي بانتهاء البطولة، لماذا لا نكوّن مجموعة ثابتة من خمسين لاعباً في عمر متقارب، يعيشون معاً رحلة تطوير تمتد عشر سنوات؟ ليس الهدف أن يحققوا بطولة للناشئين، بل أن يصلوا إلى كأس العالم وهم يعرفون بعضهم بعضاً كما يعرفون أنفسهم. فالانسجام الحقيقي لا يُشترى، ولا يُصنع في أسابيع، بل يتشكل عبر السنوات.

كما أرى أن البحث عن المواهب يجب ألا يقتصر على ملاعب كرة القدم، ففي ألعاب القوى عدّاؤون يمتلكون سرعة استثنائية، وفي الجمباز لاعبون يتمتعون بتوازن ومرونة نادرين، وفي الألعاب القتالية رياضيون يملكون سرعة رد فعل عالية وانضباطاً ذهنياً لافتاً. وبعض هؤلاء قد يصبح، إذا اكتُشف مبكراً، لاعب كرة مختلفاً تماماً. فلماذا نحصر البحث داخل ملعب واحد، بينما قد تكون الموهبة تنتظرنا في مضمار أو صالة رياضية أخرى؟ أعتقد أن أعظم ما منحته لنا استضافة كأس العالم ليس حق تنظيم البطولة، بل حق صناعة جيل كامل يعرف منذ مراهقته أنه قد يخوض المونديال على أرض وطنه وأمام جماهيره. وهذا الحلم، إذا أُحسن استثماره، قادر على أن يغيّر طريقة التدريب، والانضباط، والطموح، وحتى نظرة اللاعب إلى نفسه.

ختاماً.. أكرر قناعتي.. الملاعب يمكن أن تُبنى في سنة أو سنتين أو ثلاث، أما اللاعب العالمي فلا يُبنى إلا عبر سنوات طويلة من العمل المتواصل. ولذلك علينا بأن نبدأ اليوم.. من حيث يبدأ كل منتخب عظيم: من الطفل، لا من البطولة.

00:00 | 3-07-2026

صناعة وحياة..

سعدت بحضور لقاء رئيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع المهندس خالد السالم، الذي تحدث فيه عن الدور الريادي للهيئة في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030. وكان من أجمل ما طُرح في اللقاء استعراض قصة التميّز التي صنعتها مدن الهيئة الملكية، وكيف تحوّل شعار «صناعة وحياة» إلى واقع نراه ونلمسه اليوم.

وأنا أستمع للنقاش، وجدت نفسي أفكر في السر الذي جعل هذه التجربة الوطنية الإدارية للهيئة الملكية للجبيل وينبع تحافظ على نجاحها وتتطور لعقود طويلة. فالمشروعات الكبرى قد تبدأ بقوة، لكن المحافظة على نجاحها واستمرار أثرها هي التحدي الحقيقي. وهنا تحديداً أرى أن الاستدامة تمثل أحد أهم أسرار النجاح الإداري للهيئة الملكية.

فالاستدامة ليست مجرد مفهوم تنظيمي أو مصطلح متداول، بل طريقة تفكير تنظر إلى المستقبل بقدر ما تهتم بالحاضر. وهذا ما نجحت الهيئة الملكية في ترسيخه منذ تأسيسها، فلم تكتفِ ببناء مدن صناعية تحقق أرقاماً اقتصادية نفخر بها، بل عملت على بناء مدن متكاملة قادرة على النمو والاستمرار، وجاذبة للإنسان والاستثمار في الوقت نفسه.

ومن هنا تظهر العلاقة العميقة بين شعار «صناعة وحياة» ومفهوم الاستدامة؛ فالصناعة وحدها قد تحقق النمو الاقتصادي، لكنها لا تصنع مدينة مستدامة، والحياة وحدها تحتاج إلى اقتصاد قوي يوفر الفرص ويدعم التنمية. أما الجمع بينهما فهو المعادلة التي تحقق التوازن وتضمن الاستمرار.

فعندما توفر المدينة فرص العمل والصناعة المتقدمة، وفي الوقت نفسه تقدم خدمات تعليمية وصحية وترفيهية عالية الجودة، فإنها تبني مجتمعاً قادراً على الاستقرار والنمو. وعندما توازن بين التوسع الصناعي والمحافظة على البيئة وجودة الحياة، فإنها تضمن استدامة التنمية للأجيال القادمة. وهذا بالضبط ما يعكسه شعار «صناعة وحياة» فهو ليس وصفاً لما يوجد في المدينة فحسب، بل رؤية متكاملة لكيفية بناء مستقبل مستدام.

ولعل ما يميز تجربة الهيئة الملكية أنها أدركت مبكراً أن الإنسان هو محور التنمية. فالمصانع والمنشآت والبنية التحتية عناصر مهمة، لكنها لا تحقق أهدافها كاملة إلا عندما تنعكس على حياة الناس وجودة معيشتهم. لذلك نجد أن النجاح الصناعي في مدن الهيئة يسير جنباً إلى جنب مع الاهتمام بالبيئة والخدمات والمرافق والمساحات الحضرية التي تجعل المدينة مكاناً جاذباً للعيش والعمل معاً.

وفي ظل رؤية السعودية 2030، تبدو هذه التجربة نموذجاً وطنياً يستحق التأمل، لأنها تقدم مثالاً عملياً على أن التنمية المستدامة لا تتحقق عبر مشروعات منفصلة، بل من خلال منظومة متكاملة تربط الاقتصاد بالإنسان، والاستثمار بجودة الحياة، والحاضر بالمستقبل.

ختاماً، أرى أن شعار «صناعة وحياة» ليس مجرد هوية للهيئة الملكية للجبيل وينبع، بل ترجمة حقيقية لمفهوم الاستدامة. فقد استطاعت الهيئة من خلاله أن تقدم نموذجاً تنموياً يؤكد أن النجاح الحقيقي لا يقاس بما ننجزه اليوم فقط، بل بقدرتنا على الحفاظ على هذا الإنجاز وتطويره لعقود قادمة، بما يخدم الإنسان والمكان معاً.

00:00 | 19-06-2026

شغف الرياضة والقرار !

أصدرت وزارة الرياضة قرارًا عن محاسبة أي شخص يمارس نشاطًا إعلاميًا رياضيًا من إثارة الكراهية والعنصرية والتعصب الرياضي، حيث لم يعد التعصب الرياضي مجرد انفعال عابر بعد مباراة أو رد فعل لحظي على قرار تحكيمي، بل تحوّل في بعض الأحيان إلى خطاب يومي يأكل ويشرب معنا في المنصات الإعلامية، وللأسف هذا الخطاب يجد من يضخّمه ويمنحه شرعية تحت ستار «الإثارة» أو «رفع نسب المشاهدة»، لذلك، فإن قرار منع أي شخص يمارس نشاطًا إعلاميًا رياضيًا من إثارة الكراهية والعنصرية والتعصب الرياضي، لا يمكن النظر إليه باعتباره تقييدًا للرأي، بل خطوة ضرورية لحماية الرياضة من التشوه الذي أصاب رسالتها الأساسية.

الرياضة في جوهرها مساحة للتنافس الشريف، وبناء الجسور بين الناس، وتعزيز قيم الانتماء والعمل الجماعي والاحترام المتبادل. لكنها تفقد كثيرًا من جمالها عندما تتحوّل بعض المنابر الإعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات وتأجيج المشاعر وإعادة إنتاج الانقسام بين الجماهير. وحين يصدر خطاب التعصب من شخص يمتلك منبرًا إعلاميًا وتأثيرًا واسعًا، فإن أثره يتجاوز حدود رأيه الشخصي؛ لأنه يسهم في تشكيل الوعي العام وتوجيه المزاج الجماهيري، خصوصًا عند الفئات الجماهيرية الأصغر سنًا.

ولعل الشواهد القريبة تؤكد أن أخطر ما يواجه الوسط الرياضي ليس الخسارة داخل الملعب، بل الخسارة الأخلاقية خارجه، فكثير من حالات الاحتقان بين الجماهير بدأت من عبارة مستفزة، أو من توصيف يحمل ازدراءً، أو من اتهام غير مسؤول أطلقه إعلامي أو صانع محتوى، ثم تحوّلت إلى موجات من الإساءة والتنمر والكراهية عبر المنصات الرقمية. وفي المقابل، أثبتت التجارب أن الخطاب المهني المتزن قادر على امتصاص التوتر، وتهدئة المشهد، وتقديم نموذج راقٍ للاختلاف.

الإعلام الرياضي ليس مهمته صناعة الخصومات، بل تفسير الأحداث، وتقديم النقد المهني، وطرح الأسئلة المشروعة، ومحاسبة الأداء بمعايير عادلة. هناك فارق كبير بين النقد والتجريح، وبين التحليل والتحريض، وبين الدفاع عن نادٍ تحبه والتحوّل إلى خصم لكل من يخالفك الانتماء. حرية الرأي لا تعني منح الضوء الأخضر لخطاب يزرع الكراهية ويغذي التعصب والعنصرية، بل تزداد قيمتها حين تقترن بالمسؤولية.

ومن المهم أيضًا أن ندرك أن هذا القرار لا يستهدف قتل «الشغف» الرياضي وتاريخه الجماهيري العريق أو صناعة إعلام باهت بلا روح، بل يسعى إلى إعادة ضبط البوصلة المهنية، فالإثارة الحقيقية تأتي من جودة الطرح وعمق التحليل والسبق المهني، لا من رفع سقف الإساءة أو المتاجرة بمشاعر الجماهير.

لقد حقّقت الرياضة السعودية خلال السنوات الأخيرة قفزات نوعية وحضورًا عالميًا لافتًا، وأصبحت جزءًا من صورة المملكة الحديثة وطموحاتها الكبيرة. ومن الطبيعي أن يواكب هذا الحضور إعلام رياضي أكثر نضجًا ومسؤولية، يعكس قيم المجتمع، ويعزّز التنافس الشريف، ويحترم التنوع في الانتماءات الرياضية دون أن يحولها إلى معارك مفتوحة.

فالانتصار الحقيقي لا يتحقّق فقط بحصد البطولات، بل أيضًا بالقدرة على تقديم نموذج حضاري في الاختلاف، وإثبات أن الشغف بالرياضة يمكن أن يجتمع مع الاحترام، وأن المنافسة مهما اشتدت لا ينبغي أن تفقد قيمتها الأخلاقية.

ختامًا.. للرياضة تاريخها الشعبي والثقافي العريق، وجماهيرها المتنوعة التي نجحت عبر السنوات في صناعة حياة اجتماعية وثقافية خاصة بها، ومختلفة عن غيرها من المجالات. لذلك، يبقى من الضروري ضبط الممارسات غير الأخلاقية حتى لا تفقد الرياضة قيمتها الحضارية، ولا يطغى التعصب على ما تحمله من معانٍ جميلة في التنافس والشغف والانتماء.

00:02 | 12-06-2026

الدوام المرن والدائري الثالث!

هناك أشياء صغيرة، وقد تكون غير مرئية في تفاصيل يومنا، لا ننتبه إلى أثرها ولا نراها إلا حالما تتغيّر، من بينها ذلك الصباح الذي يبدأ على عجل، والوقت الذي يضيع بين الدائري الثالث والرابع وإشارات المرور المزدحمة بألوان السيارات الصارخة والهادئة، والالتزامات اليومية التي تجعل كثيرين يشعرون أنهم يركضون طوال اليوم بشغفٍ منطفئ، دون أن يجدوا مساحة كافية لأنفسهم أو لأسرهم.

ومع التحوّلات التي نشهدها اليوم في بيئات العمل، لم يعد النجاح مرتبطًا بعدد الساعات التي نقضيها خلف المكاتب، بقدر ما أصبح مرتبطًا بما نحققه من نتائج وأثر وجودة في الأداء والإبداع، وهنا تكمن أهمية الدوام المرن كأحد النماذج الحديثة التي تعكس فهمًا أكثر عمقًا لاحتياجات الإنسان ومتطلبات الحياة التي صارت أسرع من لمح البصر.

فالدوام المرن لا يعني تقليل ساعات العمل أو التهاون في الإنجاز كما قد يعتقد البعض، بل يعني منح الموظف مساحة أكبر لإدارة وقته بطريقة أكثر كفاءة، بما يحقق مصلحة العمل من جهة، ويعزز جودة حياته من جهة أخرى. وحين يشعر الإنسان أن يومه أكثر توازنًا، وأنه قادر على أداء مسؤولياته المهنية دون أن يكون ذلك على حساب أسرته أو صحته أو حياته الشخصية، فإن ذلك ينعكس مباشرة على مستوى رضاه وإنتاجيته واستقراره النفسي.

ولعل أكثر المستفيدين من هذا النموذج هي الأسرة، فوجود قدر من المرونة في أوقات العمل يمنح الآباء والأمهات فرصة أكبر للحضور في تفاصيل الحياة اليومية لأبنائهم، ومتابعة شؤونهم، والمشاركة في المناسبات الأسرية، بعيدًا عن الشعور الدائم بأن العمل يلتهم الوقت كله ويلتهم بيوتهم. وهذا الأمر أراه مكسبًا واستثمارًا مستقبليًا في الاستقرار الاجتماعي والترابط الأسري. كما يفتح الدوام المرن المجال أمام الأفراد للاهتمام بصحتهم، وممارسة الرياضة، وتطوير مهاراتهم، والاستفادة من أوقاتهم بصورة أفضل. وهي أمور قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تشكّل في مجموعها جوهر مفهوم جودة الحياة الذي تسعى إليه المجتمعات الحديثة.

ومن زاوية أخرى، فإن المؤسسات نفسها ستستفيد من الدوام المرن، فالموظف في هذا «الجو» حتمًا سيشعر بالثقة والمرونة من قبل مؤسسته، وسيكون أكثر التزامًا وانتماءً وإبداعًا، كما تصبح الجهات أكثر قدرة على استقطاب الكفاءات والمحافظة عليها، ولهذا سيصبح الدوام المرن ميزة وظيفية، كما سيصبح أحد المؤشرات على تطور بيئات العمل ونضجها.

كما أرى اليوم من المهم ألا تبقى هذه التجربة محصورة في مدينة الرياض أو في عدد محدود من الجهات، بل أن تمتد إلى مختلف مناطق المملكة ومدنها ومحافظاتها، وأن تشمل القطاعين الحكومي والخاص على حد سواء؛ ففوائد الدوام المرن لا ترتبط بمدينة دون أخرى، ولا بقطاع دون غيره، بل هي فرصة لتحسين جودة الحياة لملايين العاملين وأسرهم في مختلف أنحاء الوطن.

كما أرى أنه آن الأوان أن نعيد النظر في الطريقة التي نقيس بها نجاح العمل؛ فالسؤال الأهم لم يعد: كم ساعة أمضى الموظف في مكتبه؟ بل ماذا أنجز؟ وما القيمة التي أضافها؟ فالمستقبل اليوم قصته قصة أثر وإنجاز.

ختامًا.. هناك تغريدة لمعالي المستشار تركي آل الشيخ يقول فيها إن حكمته في الحياة أن يكون لاعبًا لا حكمًا؛ لأن الحكم يبحث عن الأخطاء، بينما اللاعب يسعى إلى تحقيق الأهداف. وهذه بالضبط هي قصة الدوام المرن: تحقيق الأهداف في الإنجاز من جهة، ودعم جودة الحياة للموظفين من جهة أخرى، بعيدًا عن زحمة الدائري الثالث!

00:00 | 5-06-2026

حياكم الله

عبارة موسم الحج لهذا العام «حياكم الله» تختصر روح المملكة كلها في موسم الحج، هي ليست شعاراً إعلامياً ولا جملة بروتوكولية، بل شعور حقيقي يلمسه الحاج منذ لحظة وصوله حتى مغادرته.

هذه العبارة تتجاوز كونها كلمة ترحيب، لتصبح مشروع دولة كامل يعمل خلفه رجال ونساء، وقطاعات، وخطط، وتقنيات، وقلوب تؤمن أن خدمة ضيوف الرحمن شرف قبل أن تكون مهمة.

وفي الإيجاز الصحفي الثالث لموسم حج 1447هـ، شعرت أن الحديث لا يستعرض أرقاماً أو إنجازات بقدر ما كان يعكس حجم الجهد الإنساني والتنظيمي المبذول، ويروي حكاية وطن يعرف جيداً معنى أن يتحمل مسؤولية ملايين البشر الذين قدموا من مختلف أنحاء العالم لأداء أعظم رحلة إيمانية.

وحين تحدث المتحدث الأمني لوزارة الداخلية العميد طلال الشلهوب عن التكامل الأمني والتنظيمي، حضرت في ذهني تلك الصورة التي نراها كل موسم: رجل أمن يقف تحت الشمس الطويلة بابتسامة هادئة، ينظم، يساعد، يطمئن، ويرشد بلغات قد لا يعرفها، لكن الإنسانية دائماً تعرف طريقها إلى الجميع.

نجاح الحج اليوم لا يقاس فقط بغياب المشكلات، بل بحجم الانسيابية والهدوء الذي يشعر به الحاج وسط هذه الأعداد المليونية. حركة الحشود بهذا المستوى من التنظيم لا تأتي صدفة، بل تصنعها سنوات من الخبرة والعمل والتراكم والمعرفة. واللافت أيضاً أن وعي الحجاج أصبح شريكاً أساسياً في النجاح. الالتزام بالتعليمات، وأوقات التفويج، والإرشادات الصحية، كلها تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها تصنع فارقاً كبيراً في موسم بهذا الحجم.

ومن زاوية أخرى، لفتني حديث الدكتور غسان النويمي عن دور القطاع غير الربحي وتمكينه في موسم الحج، لأن تجربة الحاج اليوم لم تعد مسؤولية جهة واحدة، بل أصبحت منظومة متكاملة تشارك فيها الجهات الحكومية والخاصة وغير الربحية، وكلها تعمل نحو هدف واحد: أن يؤدي الحاج نسكه بطمأنينة وكرامة وسهولة.

كما أن سرعة استقبال البلاغات والاستجابة لها تعكس عقلية جديدة تركز على خدمة الحاج قبل أي شيء آخر. هناك فرق كبير بين تقديم الخدمة، وبين أن يشعر الحاج فعلاً بأنه محل اهتمام ورعاية ومتابعة.

أما صحياً، فالمشهد هذا العام يستحق التوقف فعلاً. فرغم ارتفاع درجات الحرارة وكثافة الحشود، جاءت المؤشرات الصحية مطمئنة، وانخفضت حالات الإجهاد الحراري، وارتفعت مستويات الجاهزية. وهذا لم يحدث بالمصادفة، بل نتيجة عمل وقائي وتوعوي وتنظيمي بدأ قبل وصول الحجاج بوقت طويل.

وأعجبني أيضاً التركيز على مفهوم «الاستطاعة الصحية»؛ لأنه ينقل مفهوم الاستطاعة من مجرد القدرة على السفر، إلى القدرة الحقيقية على أداء المناسك بأمان صحي وجسدي. وهذا بحد ذاته تطور مهم في إدارة الحشود والرعاية الوقائية.

وفي جانب النقل، يبدو واضحاً أن المملكة لا تدير موسماً فقط، بل تبني مستقبلاً كاملاً للحج. مشاريع الطرق، وتقليص زمن الرحلات، وتطوير الربط بين جدة ومكة، وحتى تجارب تبريد الطرق، كلها تؤكد أن التفكير لا يتوقف عند الحج الحالي، بل يمتد إلى تجربة الحج في السنوات القادمة.

الحقيقة أن أكثر ما يلفتني في مواسم الحج الأخيرة أن الخدمة لم تعد مجرد أداء واجب، بل أصبحت صناعة سعودية متكاملة في إدارة الحشود والخدمات الإنسانية والتقنيات والتنظيم.

ولهذا، حين نقول للحجاج «حياكم الله»، فنحن لا نقولها كعبارة ترحيب فقط، بل كوعد بأن هناك وطناً كاملاً يسخّر إمكاناته ليجعل هذه الرحلة أكثر أمناً وطمأنينة وراحة.

ختاماً.. المملكة السعودية لا تستقبل الحجاج فقط، بل تحتضنهم بمحبة، وتعمل بإخلاص ليعودوا إلى أوطانهم وهم يحملون تجربة إنسانية عاصية على النسيان.. وحياكم الله.

00:06 | 29-05-2026

ماذا يعني «أنسنة المدارس»؟

في لقائي أنا ونخبة من كتّاب وكاتبات الرأي مع الرئيس التنفيذي لمركز برنامج جودة الحياة، كان لافتًا حديثه عن أن مفهوم جودة الحياة في رؤية المملكة 2030 لا يقف عند حدود القطاعات الستة المرتبطة بالبرنامج، بل يمتد ليشمل مختلف تفاصيل الحياة اليومية للإنسان؛ من التعليم والصحة إلى البيئة الاجتماعية والاستدامة وتمكين الإنسان.

هذا الطرح يعكس بوضوح كيف تنظر الرؤية إلى الإنسان؛ بوصفه محور التنمية الحقيقي، وأن جودة الحياة ليست مشروعًا منفصلًا عن حياة الناس، بل أسلوب تفكير يُعاد من خلاله تشكيل المجتمع بصورة أكثر توازنًا وإنسانية.

وفي توقيت يحمل الكثير من الدلالات، جاءت انطلاقة مشروع «أنسنة المدارس» في مدينة مكة المكرمة؛ بوصفه واحدًا من المبادرات التي تُترجم هذا المفهوم على أرض الواقع؛ لأن المدرسة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل مساحة يومية يعيش فيها الإنسان سنواته الأولى، وتتشكّل داخلها شخصيته ومشاعره وعلاقته بنفسه وبالعالم.

وما يجعل هذه المبادرة مهمة فعلًا أنها لا تنظر إلى الطالب باعتباره رقمًا أكاديميًا أو نتيجة اختبار، بل كإنسان له احتياجات نفسية واجتماعية وعاطفية، يحتاج إلى بيئة يشعر فيها بالأمان والانتماء والاحترام.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لأنسنة المدارس؛ أن يتحول التعليم من تجربة تعتمد على التلقين والجمود إلى تجربة أكثر رحابة ووعيًا بالإنسان. فالمدرسة المؤنسنة لا يمكن قياسها فقط بجمال مرافقها أو تطوير بيئاتها البصرية، رغم أهمية ذلك، بل بما تتركه داخل الطالب من أثر نفسي وشعوري؛ في طريقة الاستقبال، وفي لغة الحوار، وفي مساحة التعبير، وفي احترام الفروق الفردية، وفي شعور الطالب بأنه مرئي ومقدَّر داخل مدرسته.

وهذه التفاصيل التي قد تبدو بسيطة هي في الحقيقة، ما يصنع العلاقة الصحية بين الإنسان والتعليم.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة العميقة بين أنسنة المدارس وجودة الحياة؛ لأن جودة الحياة لا تعني فقط جودة الخدمات، بل جودة المشاعر التي يعيشها الإنسان يوميًا. فالطالب الذي يتعلّم في بيئة أكثر إنسانية واتزانًا سيكون أكثر قدرة على التعلم والإبداع وبناء العلاقات الصحية، والأهم أنه سيكون أكثر تصالحًا مع ذاته ومجتمعه.

إن أثر هذه المبادرات لا يتوقف عند المدرسة وحدها، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله؛ فالإنسان الذي ينشأ في بيئة تعليمية رحيمة ومحفزة يكبر وهو أكثر وعيًا وتوازنًا وقدرة على المشاركة الإيجابية. ومع الوقت يتحول هذا الأثر إلى ثقافة مجتمعية تنعكس على جودة العلاقات، والإنتاجية، والانتماء الوطني، وحتى على الصحة النفسية العامة للمجتمع. ولهذا تبدو «أنسنة المدارس» خطوة رائدة تتجاوز مفهوم التطوير التقليدي للتعليم؛ لأنها تستثمر في الإنسان قبل أي شيء آخر. وكل مشروع يضع الإنسان في مركز اهتمامه هو في الحقيقة، مشروع يبني وطنًا أكثر استقرارًا ووعيًا وجودة حياة.

ختامًا، أرى أن هذه المبادرة تحمل قيمة تتجاوز حدود المدرسة نفسها؛ لأنها تقول، بصورة واضحة: إن بناء المستقبل لا يبدأ فقط من تطوير المناهج، بل من بناء إنسان يشعر أن له قيمة، وأن بيئته التعليمية تُشبه الحياة التي يستحق أن يعيشها.

00:53 | 22-05-2026

السعودي والحج

مع كل موسم حج، أطرب بالكتابة عن علاقة الإنسان السعودي بالحجاج؛ هذه العلاقة الشغوفة والمليئة بكل معاني الإنسانية والقدسية، حيث يعيش السعودي حالة من الشوق والسرور لاستقبال حجاج بيت الله الحرام وخدمتهم في أداء مناسكهم، فتمتلئ مكة المكرمة بالسعوديين القادمين من شمال المملكة وجنوبها وشرقها وغربها من أجل التسابق إلى خدمة ضيوف الرحمن.

موسم الحج في السعودية لا يشبه المواسم الأخرى؛ فهو الزمن الذي يشعر فيه الناس أن البلاد كلها تتحرك بقلب واحد، ليس لأن الحشود كبيرة فقط، وإنما لأن المشهد نفسه يشعل شيئًا قديمًا داخل الإنسان السعودي؛ شيئًا تربّى عليه دون أن يتعلّمه بشكل مباشر، وهو أن ضيف الحرمين ليس عابر سبيل، بل أمانة ومحبة ودعوة تمشي على الأرض.

لهذا لا تبدو خدمة الحجاج هنا عملاً رسميًا بقدر ما تبدو علاقة شخصية جدًا. فالسعودي يتعامل مع الحاج وكأنه يعرفه منذ زمن؛ يسأله إن كان متعبًا، ويفسح له الطريق بعفوية، ويركض ليشرح له اتجاهًا، ويشعر بارتياح داخلي غريب حين يرى الطمأنينة تعود إلى وجهه، وكأن راحة الحاج تنعكس مباشرة على قلب من يخدمه.

في مواسم الحج، يظهر الوجه الحقيقي للناس بعيدًا عن كل شيء آخر؛ فتجد شابًا يقف ساعات طويلة يوزع الماء دون أن ينتظر كلمة شكر، ورجلًا مسنًّا يدعو للحجاج كأنهم أبناؤه، وأمًّا تتابع نشرات الحج بلهفة وكأن أحد أفراد عائلتها هناك. حتى الأطفال يكبرون وهم يسمعون أن خدمة الحاج شرف، وأن الدعوة الصادقة من غريب قد تفتح للإنسان أبواب الخير كلها.

ما يميّز الإنسان السعودي في الحج أنه لا يشعر بأنه يقدّم معروفًا لأحد، إنما يشعر أن وجوده قرب هذه الرحلة العظيمة نعمة تخصّه هو، كتبها الله له كي يحظى بالأجر؛ لذلك يفرح بالموسم رغم التعب، ويشتاق إليه بعد انتهائه، ويشعر أن للحج روحًا مختلفة لا يمكن أن يفهمها تمامًا إلا من عاش تفاصيلها عن قرب.

ربما لهذا يعود ملايين الحجاج إلى بلادهم وهم يتذكرون شيئًا أبسط وأعمق من المباني والتنظيم؛ يتذكرون الإنسان السعودي نفسه، بهدوئه، وكرمه، وتلك المحبة التي تظهر في التفاصيل الصغيرة دون ضجيج.

ختامًا.. تظل خدمة حجاج بيت الله الحرام شرفًا للمواطن السعودي في ظل قيادته الرشيدة التي سخّرت كل غالٍ ونفيس لراحة الحجاج.

00:01 | 15-05-2026