التحاليل والآراء الصحفية والدراسات التي تصدرها مراكز الأبحاث الإدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، تظهر بوضوح التعقيدات التي تعكسها وتكشفها الاختلافات والتباين في هذه الإنتاج الضخم الذي يخرج علينا يومياً. مثال لذلك تقرير البنك الدولي يتحدث عن النمو، ومعهد بروكينغز عن الأمن المائي، ومركز دراسات الإعلام عن الذكاء الاصطناعي الانتخابي — كل على حدة دقيق، لكن مجموعها يولّد فوضى تفسيرية. المستفاد من أن هذا الكم المعرفي يكشف أن العالم اليوم أصبح أشد تعقيدًا. العالم اليوم أشبه بسفن فضائية تنطلق في آن واحد تختلف فيها المراحل من لحظة الانطلاق التي كانت يسودها الهدوء والسكون إلى حالة من الاندفاع مع الصفر، تندلع فيها نيران برتقالية وحمراء هائلة من قاعدة الصاروخ، وتتحول الأرض إلى جحيم من اللهب والدخان الأبيض الكثيف. يرتفع زئير يصمّ الآذان، يهز الأرض وما حولها، معلنًا تغلب الإنسان على الجاذبية. تبدأ السفينة الفضائية في الصعود عموديًا ببطء شديد في الثواني الأولى، ثم تتسارع بسرعة جنونية. تخترق السفينة طبقات الجو، ويتحول لون السماء من الأزرق إلى النيلي الداكن ثم إلى السواد الحالك للفضاء الخارجي.

العالم اليوم لم يعد له ترتيب هرمي يمكن قياسه. إنه ينطلق إلى نظام بلا نظام، كما نفهمه الآن كالصاروخ الذي يحاول الخروج من نظام الجاذبية. الحالة التي يمر بها العالم هي أقرب إلى نظام دون قواعد. نحن نشاهد العديد من أنواع الفوضى الظاهرية والفوضى الحقيقية، وبين غياب الهرمية التقليدية وظهور هرميات جديدة غير واضحة المعالم، التي تتشكّل من فسيفساء لم تكتمل صورتها النهائية. الواقع أن الحرب الباردة لم تكن أقل تعقيدًا، لكن تعقيدها كان ثنائيًا منظمًا (قطبين/أيديولوجيتين)، بينما تعقيد اليوم متعدد المراكز، متشابك الطبقات، ولا يخضع لثنائيات بسيطة.

الجغرافيا السياسية جوهرها ليست مسابقة يحدد فيها من يحتل المركز الأول، بل هي علم عميق لدراسة القوة عبر المكان. سواءً كانت قوة عسكرية أو رقمية أو اقتصادية. المشكلة ليست فقط في تعقيد العالم، بل في أن أدواتنا لفهم التعقيد (التحاليل، الدراسات، التصنيفات) أصبحت جزءاً من التعقيد نفسه، لا خارجاً عنه.

السؤال اليوم هل التأريخ يريد أن يعيدنا لعالم العصور الوسطى التي كانت قبل ظهور الدولة الحديثة، حيث تتداخل فيها السلطات بين ملوك وأمراء وكنيسة وإمبراطوريات ومدن حرة كلها تتقاسم النفوذ وتتنافس عليه، والولاءات فيها لم تكن حصرية والحدود لم تكن ثابتة، والقوة لم تكن مركزة في يد واحدة؟ نحن اليوم نرى شيئًا مشابهًا، صحيح إن الدول ما زالت موجودة، بل إن بعضها أصبح أقوى من أي وقت مضى، ولكن في الوقت نفسه لم تعد هي الفاعل الوحيد أو حتى المهيمنة في جميع الأوقات، هناك شركات عملاقه تملك ميزانيات تفوق دولًا وشبكات رقمية عابرة للحدود ومُدنًا عالمية تجذب رأس المال والعقول. غير أن هناك فرقًا جوهريًا: العصور الوسطى كانت تفتقر إلى الترابط الكوكبي الفوري. اليوم، الأنظمة الفوضوية متصلة، فصدمة في سلسلة توريد واحدة تصيب العالم كله في ثوانٍ.. هذا لم يكن موجودًا.

تعقيد اليوم ليس مجرد «كثرة فاعلين»، بل غياب لغة مشتركة للوصف، وغياب ثنائيات حاسمة (يمين/يسار، شرق/غرب)، وأدواتنا المعرفية التقليدية عاجزة لأنها صمّمت لعالم أقل تشابكًا. لسنا في العصور الوسطى، لكننا نخترع «إقطاعية رقمية» جديدة معالمها لم تتضح بعد.

العالم ليس «أكثر تعقيدًا» فقط، بل هو في طور تحول نمطي من نظام عالمي ذي قواعد ثابتة إلى نظام تولد دائم لا نعرف قواعده بعد لأنها لم تستقر. ونحن نشعر بالعجز المعرفي؛ لأن أدواتنا صُمّمت لعالم كان يظن نفسه مفهومًا.