ألا ما أعظم اللّحظة، وما أجلَّ الموقف؛ حين يستقرّ بك المقام في نصف المسافة الواشجة بين «الفداء» في أعلى مراقيه، و«الوفاء» في أسنى مراتبه، فتمضي مُقلّبًا طَرف الزّهو بينهما، منعقدٌ لسانك عن جائش التعبير هيبة، وملتزم الصمت إجلالًا وتقديرًا واعتزازًا.

فانظر بمِ تُماثل فداء شهيد الوطن جراح بن محمد الشعلان الخالدي، رحمه الله، وقد أدى فرضه، وجاد بنفسه، فدًى لوطنه، وذودًا عن حماه وأرضه.

وانظر بذات الطرف بحثًا عن مكافآت المعاني لصنيع صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة، وقد أمر بتسمية مسجد الشركة السعودية للطاقة في المركز الرئيسي بالقطاع الشرقي باسم الخالدي وهذا ديدنه، ودأبه، وخلّة كأنّها «جين» توارثه كابرًا عن كابر منذ فجر «التوحيد» الأبلج، إلى هذا العهد الرَّخِي الزاهر.

معانٍ معتقة بعبق التراب الغالي، ووفاء يعلّق في أعناق المستحقين من أبناء الوطن، كفاء ما يهبون الوطن من جليل الصنائع، وعظيم المواقف، فتتكامل الصورة، وتبقى أيقونة في أضابير التاريخ، ورمزًا نباهي به العالم أجمع، ومثالًا نعرضه في مسرح المباهاة والفخر، يثبت جوهر الوطنية فعلًا مؤصّلًا، لا قولًا مرسلًا، ويعمّق المعاني الإنسانية الأصيلة بين القيادة في رشدها، والمواطنة في عطائها..

لقد صدق الشاعر بقوله

والفخرُ يلمعُ والأمجاد ساطعةٌ

والنصرُ ينهمرُ والتاريخُ يمليني

درٌّ تألّق في تاجٍ على ملكٍ

من وحيهِ كلُّ منثورٍ وموزونِ

تاريخُ آل سعودٍ في جلالتِهِ

فصلُ الفصول وعنوانُ العناوينِ..

هكذا عشنا الحياة على مرّ عهود آل سعود الزواهر، عطاء، وفداء، وكفاح، ووفاء، فشكرًا للأمير عبدالعزيز بن سلمان، فقد خلّدت معنى، وحفظت اسمًا، ورفعت ذكرًا، وسجلت في ذاكرة التاريخ سطرًا جديدًا من سطور عهدكم الباذخ..

موقف تراه مجلوًّا في مرآة قول الشاعر:

أرضُ الفداءِ ومهدُهُ وغراسُهُ

أفدي بنفسي المفتدي والمُفتدَى

أمّا إن رحلت ببصرك تلقاء «الخالدي»، وتخيلته في تلك اللحظة الفارقة، وهو يقف طودًا شامخًا، وقلعة صمود بانتسابه إلى رجال الأمن الصناعي، ورأيته وهو يصد التهديدات التي استهدفت قلب الاقتصاد الوطني ومصادر قوته، والمنبعثة كرهًا من تلقاء «الحقد الصفوي» الأعمى، وأبصرته وهو يجود بنفسه في موقف الفداء، والشهادة مبتغاه، فكأنك حينها تكاد تسمعه، وهو يجسّد بلسان الحال الناطق، ما سطّره يراع الشاعر الأمير عبدالله الفيصل رحمه الله:

أفديكَ يا وطني إذا عزَّ الفدا

بأعزِّ ما جادتْ به نِعمُ الحياة

كلُّ الوجودِ وما احتواهُ إلى الفنا

إلا هواك يظلُّ مرفوعًا لواه

كأنّ اللحظة تلك لا كفاء لها غير تخليد اسمك يا «جراح» يا «خالدي»، رفعت اسمك عاليًا، وعلوت بذكرك، فحقّ لنا أن نستعيد ذكراك في الخالدين من أبناء الوطن الخُلّص، فقد آثرت أن تمثل خط الدفاع الأول عن المنشآت الإستراتيجية، من حقول النفط إلى المصافي إلى مراكز الطاقة، حيث أي اختراق يعني تهديدًا مباشرًا للاقتصاد والأمن معًا، فكنت واحدًا من هؤلاء الذين اختاروا أن يكونوا في مواقع الخطر، لا خلفها، وتزداد صورتك وضوحًا وعمقًا في تفاصيل سيرتك الإنسانية؛ كونك من أبناء مدينة «عنك» بمحافظة القطيف، في المنطقة الشرقية، وقد بلغت من العمر (44) عامًا، وهي مرحلة نضجٍ واكتمال، حيث يكون الإنسان في ذروة عطائه ومسؤوليته تجاه أسرته ومجتمعه.

لم تكن رقمًا في سجل الوظائف، بل إنسانًا له جذور في أرضه، وامتداد في أسرته، وحضور في مجتمعه.

عُرفت بين زملائك بالإخلاص والتفاني، حتى لُقِّبت بأبي محمد إشارة إلى مكانتك الإنسانية القريبة من القلوب، قبل أن يكون اسمًا في ميادين العمل.

وها أنت اليوم يُخلّد ذكرك بتسمية اسمك لبيت من بيوت الله في الأرض، يقرأ داخله السلام عليك، ويخصّك بالدعاء جلبًا للرحمة، ويحفظ سيرتك في سجل الشهداء الأبرار.

إنّه فعلٌ رمزي عميق الدلالة، من أمير هذا دأبه، وذاك ديدنه.

فعل يختصر فلسفة الوفاء في الدولة السعودية، ويؤكد أن من يحرس الوطن يُحفظ اسمه في ذاكرته الحية، فهذا التكريم يعكس وعيًا مؤسسيًا عميقًا، بأن الأمن الصناعي ليس عملًا تقنيًا فقط، بل رسالة وطنية، وأنّ العامل في هذا المجال يقف على خطّ تماس مباشر مع التهديدات، ويواجهها بإرادة صلبة وكفاءة عالية؛ ولذا سيبقى مسجد «شهيد الوطن جراح الخالدي» أكثر من معلمٍ معماري؛ سيكون ذاكرةً حيّة، وشاهدًا على أن في هذه الأرض رجالًا إذا ناداهم الواجب لبّوا، وإذا واجههم الخطر ثبتوا، وإذا جاءهم القدر ارتقوا بكرامة.. ينادون بصوت العزم والحزم والإخلاص:

يا وطني تفدي ترابَك أنفسٌ

تجودُ بلا خوفِ المماتِ وخطبهِ

رحم الله الشهيد، وجعل اسمه نورًا في سجل الخالدين، لتصبح قصته درسًا يُتلى، لا بالحروف، بل بالمواقف.. وشكراً الأمير عبدالعزيز وفيت وكفيت.