يا ربَّ المشْرقِ والمغْربْ

يَا ربَّ المَلَكُوتْ

جَبروتْ في عَينيها،

يا ربِّي جبروتْ

أيْنَ المَنْجَى مِنها، أينَ المهربْ

مَن علَّمَها أسْرارَ الكَهَنوتْ

وتَمائمَ هاروتَ، ومَاروتْ

فَطربتُ ومَالي لا أَطربْ

وتَركتُ قِيَادي لِرُموشٍ لا تَتْعَبْ

وتسهّدَ فيها فَسَقَتْهُ الوجدَ وأسرارَ اللاهوتْ

ومَضَى في رِحْلةِ عمرٍ يَكتَشِف الملكوتْ

يمَّمْتُ بأشرعتي شرقاً فأبتْ سُفُني إلا المغرب

إلاَّ المغربْ.

يا لروعة الكلمات وسحر الشعر وبلاغة الوصف عندما يتدفّق الإبداع من لحظة خاطفة، من ومضة ألم ودهشة لا تُخطئها روحٌ مرهفة حساسة.

كان هذا هو حال الوزير والدبلوماسي السعودي الشاعر الدكتور عبدالعزيز خوجة، في حكاية تتجاوز حدود الصدفة لتصبح ميلاداً حقيقياً لنص شعري مبهر.

الشعر يتأثر بموقف أو تجربة تلهب وجدان الشاعر وترغمه على أن يخطها شعراً في ولادة حقيقية يحملها الشاعر في صدره.

كان العقاد يؤمن بأن الشعر ليس خيالاً خصباً، ولا هو بطلاء مزركش، بل يحمل بعض الحقيقة؛ لذا فإنه ينفذ إلى النفس ويضاعف إحساسها به، فهو خطفة من خطفات الوجدان، وومضة من ومضات الروح لها دور في كلمات اللغة الشاعرة فتعطيها طاقة وتنفلت كقطرة من سحابتها نقية صافية.

فالشعر عند الدكتور الخوجة هو الشعور لا الكلام الموزون المقفى الخالي من المشاعر.

يروي الخوجة لحظة ميلاد نصه

هناك بعض اللحظات لا تُقاس بالزمن، بل تُقاس بقدرتها على إشعال الروح.

لحظةٌ خاطفة، كوميض برقٍ في ليلٍ ساكن، كفيلة بأن تُعيد تشكيل وجدان شاعر. يقول في أحد ردهات فنادق المغرب العربي: لم يكن في المشهد ما يوحي بولادة نصٍّ غير أن العيون إذا أُصيبت بدهشة الجمال، انفتحت أبوابٌ لا تُغلق.

وقفت أمام مشهدٍ أربك الحواس، جمالٌ باغت القلب دون استئذان حسناء فاتنة، دخلت إلى بهو الفندق فتوقّفت مأخوذاً، وانفلتت من بين شفتي كلمة (جبروت) دهشة صافية، مكثّفة، تحمل في طيّاتها انبهاراً لا يُوصف.

كلمة واحدة، لكنها كانت كافية لتعلن أن شيئاً استثنائياً قد بدأ.

يضيف الخوجة لم تكن زوجتي بعيدة عن هذا الوهج، فقد التقطت الإحساس قبل أن يكتمل، نظرت إلي وبادرت إلى حقيبة يدها التقطت ورقة وقلماً، وهمست بثقة العارف اكتب عنها ترجم أحاسيسك..

انساب الشعر كما لو أنه كان ينتظر تلك الإشارة، فكانت ولادة كلمات ساحرة، تنبض بالحياة وتفيض بالدهشة.

وُلدت حالة شعرية كاملة، لها نبضها وسرّها ودهشتها.

من هذه الشرارة، تشكّلت القصيدة جبروت بوصفها واحدة من التجارب الغنائية العربية التي تمزج بين الشعر الصوفي والوجدان العاطفي في قالب موسيقي مهيب، تتعانق فيه الكلمة مع اللحن في حالة من السمو والتجلّي.

منذ المطلع، يتبدّى البُعد الروحي عبر النداء

يا ربَّ المشرقِ والمغربْ

يا ربَّ الملكوتْ

يستدعي النص فضاءً كونياً مفتوحاً، يتجاوز حدود العاطفة الأرضية ليُلامس تخوم المطلق.

افتتاح يمنح النص هيبة خاصة، ويؤسّس لحالة من الانبهار العميق الذي يسيطر على الشاعر أمام حضور الأنثى، حضور يتجاوز الجمال الحسي ليبلغ مرتبة (الجبروت)، كما يتجلى في قوله:

جبروتْ في عينيها، يا ربّي جبروتْ

أين المنجى منها، أين المهربْ

نص يشتغل على ثنائية مدهشة العشق بوصفه تجربة إنسانية، والتصوف بوصفه حالة فناء وذوبان. تتجلى هذه الثنائية في عبارات مثل من علّمها أسرار الكهنوت

وتمائم هاروت وماروت

يتم استدعاء الرموز الدينية والأسطورية لتكثيف الشعور بالعجز أمام سحر الأنثى الجبروت، فيتحوّل الحب إلى قوة قاهرة تُشبه القوى الغيبية التي لا تُقاوم.

يتصاعد الإيقاع الشعوري في النص مع انتقال الشاعر من حالة التساؤل والدهشة إلى حالة الاستسلام الكامل:

فطربتُ ومالي لا أطربْ

وتركتُ قيادي لرموشٍ لا تتعبْ

صورة تختزل لحظة الانقياد التام، حيث يفقد العاشق إرادته أمام سطوة الجمال، فتغدو الرموش رمزاً لهيمنة ناعمة، تمارس سلطانها بسحر خفي لا يُرى.

تداخل عميق بين مفردات العشق ومصطلحات التصوف، كما في قوله

وتسهّد فيها فسقته الوجد وأسرار اللاهوت

ومضى في رحلته يكتشف الملكوت

ليتحوّل الحب إلى رحلة كشف ومعرفة، ويغدو العاشق سالكاً في طريقٍ روحي، ينهل من أسرار الوجد ويغوص في عوالم اللاهوت والملكوت، باحثاً عن معنى يتجاوز حدود التجربة الحسية.

أما على المستوى اللحني، قدّم عبدالوهاب الدوكالي لحناً يوازي هذا العمق الشعري، حيث تتصاعد الجمل الموسيقية في تناغم مع تصاعد الحالة الشعورية، خصوصاً مع تكرار اللازمة يا ربَّ المشرقِ والمغربْ

بما تحمله من شحنة وجدانية عالية، يتردد صداها في النفس كأنها دعاءٌ أو نشيد تأملي. الأداء الصوتي جاء محمّلاً بخشوعٍ داخلي، يجعل المتلقي يعيش التجربة بدل أن يكتفي بسماعها.

وتأتي الخاتمة محمّلة برمزٍ بالغ الدلالة، يتجلّى في هذا المقطع:

يمّمتُ بأشرعتي شرقاً

فأبت سفني إلا المغرب

إلا المغربْ

في المحصلة، تقف (جبروت) عملاً فنيّاً متكاملاً، تتضافر فيه الكلمة واللحن والصوت لتشكّل تجربة استثنائية، تعيد تعريف الغناء بوصفه مساحة للتأمل والكشف، وتجعل من الشعر الغنائي باباً نحو عوالم أعمق، حيث يلتقي الحب بالروح، والإنسان بالمطلق.

في هذه القصيدة الرائعة يتألق الشعر، ويبدع الشاعر المفتون، وتسهم الزوجة بتشجيعها لتكون محفّزاً يلهم الشاعر نكهة خاصة لكلماته..