في خضم المعارك العسكرية الحاصلة في الخليج العربي هناك مسألة قانونية يجري الحديث عنها باستمرار وهي حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وهذا يفتح الباب لأهمية مراجعة التطور القانوني الدولي لتعامل العالم مع مبدأ حرية الملاحة في المضائق البحرية.

تاريخ الخلافات حول حرية الملاحة في الممرات التجارية المائية: حرية الملاحة هي مبدأ أساسي في قانون البحار الدولي، يضمن مرور السفن التجارية (والعسكرية في بعض الحالات) بحرية عبر الممرات المائية الدولية مثل المضائق والقنوات، دون تدخل غير مبرر من الدول الساحلية. هذه الحرية حيوية للتجارة العالمية، إذ تمر معظم التجارة البحرية عبر «نقاط الاختناق» مثل مضيق هرمز، مضيق مالاكا، قناة السويس، وباب المندب. أدت الخلافات حولها إلى نزاعات دبلوماسية وحروب على مر التاريخ، بسبب التوتر بين سيادة الدول الساحلية وحقوق الدول البحرية في الوصول الحر.

الأصول التاريخية المبكرة (القرن 17 - القرن 19): تعود الجذور الفكرية إلى القرن الـ17، مع جدل «البحر الحر» الذي طرحه الهولندي هيوغو غروتيوس في كتابه عام 1609، مقابل «البحر المغلق» للإنجليزي جون سيلدن. دافع غروتيوس عن حرية الملاحة للجميع في أعالي البحار، بينما سعى آخرون لفرض سيطرة على الممرات الاستراتيجية.

رسوم الصوت الدنماركي: فرضت الدنمارك رسوم مرور على السفن عبر المضائق الدنماركية (أوريسند والبلطيق) لأكثر من 4 قرون، حتى ألغيت باتفاقية كوبنهاغن عام 1857.

المضائق التركية (البوسفور والدردنيل): سيطر العثمانيون عليها، وكان السلطان يملك الحق في إغلاقها أمام السفن الأجنبية، خاصة في زمن الحرب. أدى ذلك إلى نزاعات مع روسيا وأوروبا، وشهدت حملة غاليبولي (1915-1916) في الحرب العالمية الأولى محاولة بريطانية-فرنسية للسيطرة

القرن 19 والقنوات الاصطناعية مع بناء القنوات التجارية، برزت اتفاقيات دولية لضمان الحرية.

قناة السويس: اتفاقية القسطنطينية (1888) أقرت حرية الملاحة لجميع الدول، حتى في زمن الحرب، ومنعت الدول الساحلية من إغلاقها. لم تمنح مصر السيادة الكاملة إلا بعد تأميمها عام 1956 من قبل جمال عبدالناصر، مما أدى إلى العدوان الثلاثي (1956) بمشاركة بريطانيا وفرنسا وإسرائيل.

قناة بنما: اتفاقيات مشابهة (مثل معاهدة هي-باونسيفوت 1901) ضمنت حرية المرور.

القرن 20: من النزاعات إلى التدوين القانوني قضية قناة كورفو (1949): حكمت محكمة العدل الدولية بأن مرور السفن البريطانية عبر المياه الإقليمية الألبانية كان «مروراً بريئاً» غير قابل للتعليق، مما أرسى سابقة قانونية.

اتفاقية مونترو (1936): نظّمت مرور السفن الحربية عبر المضائق التركية، ومنحت تركيا صلاحيات في زمن الحرب.

مضيق تيران (1967): إغلاق مصر له أمام الملاحة الإسرائيلية كان أحد أسباب حرب الأيام الستة، حيث اعتبرته إسرائيل خرقاً لحرية الملاحة.

اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار: هي الإنجاز الأكبر، ودخلت حيّز التنفيذ عام 1994. قسمت المضائق إلى نوعين: نظام المرور العابر: في المضائق الدولية الضيقة (مثل هرمز، جبل طارق، مالاكا) – مرور غير قابل للتعليق، يشمل السفن التجارية والعسكرية.

رغم ذلك، لم تحل الاتفاقية كل الخلافات، إذ رفضتها الولايات المتحدة (لكنها تطبق أحكامها كقانون عرفي). الخلافات المعاصرة (القرن 21) استمرت النزاعات، خاصة حول تفسير «المرور البريء» للسفن الحربية، والأنشطة العسكرية في المناطق الاقتصادية الخالصة: مضيق هرمز: أهم ممر نفطي عالمي. هددت إيران بإغلاقه مرات عدة.

بحر الصين الجنوبي: مطالبات الصين «بالخط الأحمر» تتعارض مع القانون الدولي، وترد الولايات المتحدة بعمليات «حرية الملاحة» منذ 1979.

المضائق التركية: خلافات حول اتفاقية مونترو، خاصة بعد غزو أوكرانيا 2022.

شهدت حرية الملاحة تطوراً من نزاعات قوة بحرية (بريطانيا، هولندا) إلى نظام قانوني الدولي، لكن التوتر مستمر بين الدول الساحلية (التي تسعى للسيادة البيئية والأمنية) والقوى البحرية (التي تؤكد على التجارة الحرة). اليوم، تُعد نقاط الاختناق مثل هرمز وباب المندب مصادر توتر جيوسياسي، حيث يمكن لأي إغلاق أن يهدّد الاقتصاد العالمي. يعتمد الحل على الالتزام بالقانون الدولي والدبلوماسية، مع دور بارز لمجلس الأمن في حال التهديدات. هذا التاريخ يظهر أن الحرية ليست مطلقة، بل نتيجة توازن دائم بين السيادة والمصالح المشتركة.

التاريخ يعلمنا دروساً مهمة وأن أي قرار يعارض المصلحة العامة للناس سيتم مواجهته.