رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي يرأس وفد بلاده في محادثات الهدنة في إسلام آباد مع الجانب الأمريكي، التي تنطلق اليوم في ظروف صعبة وغير واضحة وخاصة من الجانب الإيراني، الذي بدأ يضع الشروط ويطلب تنفيذ بعض النقاط قبل بدء المحادثات، وهذا تكتيك إيراني معروف في الملف النووي منذ عقود، هذه الهدنة الهشة قد لا تنجح في حل هذه الأزمة المتصاعدة التي لها تأثيرات سياسية وأمنية واقتصادية على دول المنطقة وعلى اقتصاد العالم جراء إغلاق مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل اندلاع الأعمال العسكرية في حرب إيران وأمريكا الأخيرة، بعيداً عن الروايات من الطرفين عن مفهوم النصر، ولكن الأكيد أن الجانب الإيراني رغم كل الادعاءات أنه هو الخاسر الأكبر، فما بناه في نصف قرن تحطم في أربعين يوماً مع دفاعات جوية صفرية، فقط إيران عملت بمفهوم الحرب النفسية من خلال ترسانتها الصاروخية البالستية التي قد يكون لها تأثير قوي على سكان المدن، ولكنها لن تحسم الحرب وتحقق موقفاً قوياً على طاولة المفاوضات التي سوف تظهر المنتصر والمنهك، والذي على استعداد لمعاودة العمل العسكري في حال فشل هذه الجولة من المحادثات. الرئيس ترمب يكذّب الجانب الإيراني حول ورقة الشروط الإيرانية العشرة التي تدعي إيران أن أمريكا وافقت عليها، وقاليباف يصرح قبل وصوله للعاصمة الباكستانية بأنهم ينتظرون الإفراج عن أصول مالية إيرانية مجمدة ووقف الأعمال العدوانية على لبنان أو بالأصح على أحد أهم الأذرع الإيرانية في المنطقة العربية وهو حزب الله. مثل هذه المطالب الإيرانية هي مطالب منتصر بالحرب والواقع يقول غير ذلك.

في التاريخ المعاصر نجد التيارات والشخصيات المتشددة في أنظمتها هي الأكثر قوة واستعداداً للتوقيع على اتفاقيات تعتبر صعبة بين الدول، ورئيس البرلمان الإيراني محمد جواد قاليباف يتمثل لهذا الدور في هذه المرحلة الحساسة والوجودية للنظام الإيراني، رغم كل الادعاءات بالنصر والصمود، إلا أن النظام الإيراني لن يكون هو نفسه بعد هذه الجولة من المواجهات العسكرية مع أكبر قوة عالمية، وهي أمريكا وإسرائيل، التي ترى النظام الإيراني مهدداً وجودياً لها، لن تنفع الشعارات والدعاية الإعلامية والسياسية في تعويض إيران عن الأضرار الضخمة التي تعرضت لها ليس فقط على مستوى القيادات التي فقدتها بل على برامجها العسكرية وخاصة النووية والذي يعتبر هو قلب هذه الحرب، قد تكون إسرائيل أعلنت في بداية الحرب الأخيرة أن هدفها هو إزالة النظام ولكن المهم هو الموقف الأمريكي الذي قد يخدمه وجود نظام إيراني ضعيف وأعرج، ولكن واشنطن ودول الجوار لا تريد إيران مجزأة وتدخل في صراعات داخلية وكلنا نتابع انتقال مثل هذه الحركات والظواهر السياسية للدول المجاورة، على الطرف الجنوبي للخليج العربي المحاسبة وإعادة التفكير في الواقع الأمني والسياسي حالة حتمية بعيداً عن الاختلافات الجانبية، فهذه الأزمة كشفت الأوضاع الهشة لهذه الدول وقد لا تكون التحالفات مع قوى دولية هي الضمانة الرئيسية لمشروع التنمية والمثال الناجح للدولة الخليجية فما شهدنا من صواريخ واعتداءات سافرة من إيران على دولنا يطرح تساؤلات ملحة ووجودية لشكل الإقليم الخليجي العربي.

تابعت حلقات لبرنامج شاهد على العصر مع السياسي العراقي في نظام البعث الدكتور فاضل العزاوي الذي عمل سفيراً لبلاده في واشنطن وموسكو والهند وأصبح بعد ذلك رئيساً للمخابرات العراقية زمن الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، يورد العزاوي لقاء مع وزير الخارجية السوفيتي حينها اندريه جروميكو وسأله كيف تتورطون مع قوم عرفوا بعنادهم -يقصد الإيرانيين- وقال له لقد قاتلناهم في عشرينيات القرن الماضي على تلة لمدة أربعين عاماً، وحينما عرضنا عليهم التنازل لهم بتلك التلة رفضوا. هل العقلية الإيرانية بعد ثورة الخميني لا تزال هي ذاتها، وكلنا نذكر كأس السم الذي تجرعه الخميني عند موافقته على وقف إطلاق النار مع العراق في حرب الثماني سنوات تلك، يتوهم البعض منا أن إيران خرجت أكثر قوة ولكن الغرب وخاصة أمريكا لا يهمها بقاء النظام أو زواله ولكن عملية احتوائه وإضعافه هي النقطة الأساسية في سياسة أمريكا المقبلة في منطقة مهمة لها استراتيجياً من حيث وجود منابع الطاقة وما تلعبه هذه العوامل في الصراع الدولي وخاصة مع الصين.