خلال العامين الماضيين أسّست أكبر دولة ديموقراطية «سابقة في القانون الدولي» تقول إن أي طالب أو مهاجر للعمل؛ ولا يحترم الخيارات السياسية الأمريكية فإن مصيره الترحيل أو حتى المحاكمة، مقررة أن فعله ذلك يضر بالأمن القومي الأمريكي.

لم يكن «عوام» العرب الذين هتفوا لصالح إيران، وبالموت لعرب الخليج مدركين لحجم الضرر الذي يرتكبونه في حق علاقتهم بجيرانهم الخليجيين، فالهتافات لا تؤكل عيشاً ولا توفر وظائف، بل توغر الصدور وتلغي فرص العمل.

بالتأكيد أن الهتافات - الحديثة- وإظهار العداء لم يكن منقطعاً عن آراء الطبقة السياسية والمثقفة في بلدانهم، الفرق أنهم صرحوا بما يقوله السياسي في الغرف المغلقة، ويُنظِّر له المثقف القومجي أو الإسلاموي أو اليساري في مقالاتهم وأدبياتهم التي نشروها طوال عقود.

يجب أن نعترف بدلاً من التغاضي، أن هناك بُنية تحتية ضخمة من الدعاية السوداء ضد الإنسان «السعودي والكويتي والقطري والبحريني والعماني والإماراتي» أطلقتها إذاعات وصحف عربية - ولا تزال- من بغداد إلى المحيط الأطلسي.

نحن لا نتحدث عن عمل منفرد هنا وهناك، بل تحوّل الضخ الإعلامي المضاد لإنسان الجزيرة العربية؛ كبيراً جداً لدرجة تحوّل الدعاية من فعل صوتي إلى أعمال إرهابية على الأرض، فالسعوديون والكويتيون والإماراتيون على وجه الخصوص تعرّضوا من الستينيات حتى منتصف التسعينيات - لأعمال إرهابية في بلدانهم أو مصالحهم حول العالم قتلت وفجّرت وأضرت بهم.

الهتافات التي انطلقت العام ١٩٩٠م، إثر احتلال العراق للكويت فضحت ما هو أبعد من ذلك، فهي لم تكن موجّهة لمصالح معينة ولا لقيادات سياسية، بل كانت أول إشهار للسلاح في وجه شعوب الخليج العربي، وتمني القضاء عليهم.

فقد دعا «شوارعية» بعض العواصم والمدن العربية إلى إحراق الخليجيين بالكيماوي، هذه ليست خلافات سياسية بل دعوة إلى إبادة جماعية، المظاهرات استمرت لأسابيع، وكان الفرح العارم ينتشر في الشوارع والحلوى توزع في المقاهي مع كل صاروخ يسقط على المدن الخليجية.

أبناء وأحفاد الذين خرجوا للشوارع العربية، هم من ينتشر اليوم في المعامل والمصانع والوظائف الجيدة في دول الخليج.

والبعض منهم -حتى لا نقول الكثير- يتمنون انهيار دول الخليج وتعرّضها لأكبر أذى من تأثيرات الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية.

المؤكد أن ملايين من عقود العمل التي يبرمها العمال العرب مع المؤسسات والشركات الخليجية لا تتضمّن السماح لهم بالعمل السياسي، ولا نشر آرائهم المضادة لقيادات وخيارات دول الخليج، لقد جاءوا لهدف معين (تعمل واتخذ مقابل عملك)، وإذا كان العمال - عرباً أو غيرهم- لا يستطيعون ترك آرائهم السياسية، وأمنياتهم بالموت والضرر للخليجيين خلفهم فعليهم البقاء في بلدانهم.

دول الخليج لا تتحمّل أن يكون لديها عدوان، خارجي يقصفها بالصواريخ والمسيّرات، وداخلي يروّج لدعايات مسمومة، وربما يتحرك على الأرض لو وجد أي ضعف أمني، وهو ما لا تنساه الذاكرة الخليجية عندما انقلب العاملون العرب على الكويتيين، بعدما انهارت المنظومة الأمنية إثر الاحتلال العراقي.

نحن هنا لا نتحدث عن ترف الخيارات، فحتى أعرق الدول الديموقراطية، لم تعد تقبل وجود من يهدّد أمنها الاجتماعي، فألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا قامت بترحيل موظفين وطلاب ورجال أعمال روس بعد اندلاع الحرب الأوكرانية الروسية، والأمريكان دخلوا الجامعات والمعامل والمصانع واستخرجوا المعارضين للسياسات الأمريكية ورحلوهم فوراً.

سياسات الدول في الملمات الكبرى لا تقبل أنصاف الحلول ولا أرباع المواقف، ولا خطابين متضادين، ولا رسائل متذاكية.

الازدهار الخليجي لم يقف عند البنايات العالية ولا الشوارع الحديثة ولا الحياة المريحة، بل كان هناك ارتحال سياسي من التغافل والتغاضي إلى ما يمكن تسميته (موقف بموقف) كما تقدّم تأخذ، وهي تطبّقها في علاقاتها مع شركائها الغربيين الذين قدّموا المعرفة والتقدّم العسكري والتكنولوجي، ومع ذلك تقف دول الخليج بعقلانية أمام مصالحها، فما يخدمها تقبل به، وما يضرها لا تقبله وترفضه والدلائل كثيرة.