لا ندري ما هو المنطق الذي يتحدث به الرئيس الإيراني مسعود بزيشكيان في تصريحه الأخير الذي خاطب فيه «الدول الإسلامية وجيراننا الأعزاء» حسب وصفه، قائلاً: «أنتم إخوتنا ولسنا في صدد أي نزاع معكم، المستفيد الوحيد من خلافاتنا هو الكيان الصهيوني، ونسأل الله في ⁧عيد الفطر⁩ أن يمنحنا القوة والوحدة بالعمل بتعاليم ⁧رسول الله⁩ لنيل رضاه». هل يعتقد هذا الرئيس (الصوري) أنه يخاطب عالماً لا يرى ما يحدث، ودولاً يمكن أن تستوعب الأكاذيب والتناقضات التي لا يتوقف عن ترديدها، وهل يظن أن أحداً يصدق أنه صاحب قرار فيما يحدث، لا سيما وقد قدم في مرة سابقة اعتذاره لدول الجوار الخليجي عن استهدافها ووعد بعدم تكرارها، ولم تمض ساعة على اعتذاره حتى زادت كثافة الهجمات عليها، وما زالت مستمرة إلى الآن بتصعيد مستمر.

ورقة دول الخليج التي تحاول إيران توظيفها للضغط على أمريكا لإيقاف هجماتها ليست ضعيفة أو عاجزة عن اتخاذ إجراءات رادعة عندما تقرر ذلك، وضبط النفس الذي تمارسه دول الخليج إلى الآن يؤكد أنها دول تتصرف بحكمة واتزان من أجل عدم تصعيد الأزمة في المنطقة، وإثبات موقفها المبدئي والأساسي الذي أعلنته مع بداية المواجهة بأنها لن تكون طرفاً أو عاملاً مساعداً فيها، لكن منطق الدولة الذي تحتكم إليه دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة، يختلف عن منطق الميليشيا الابتزازية الانتحارية ممثلةً في الحرس الثوري الإيراني الذي يحكم قبضته على القرار في إيران.

قبل يوم أمس، 21 مارس، أصدرت وزارة الخارجية السعودية بياناً أعلنت فيه عن إشعار الملحق العسكري الإيراني ومساعده وثلاثة أشخاص من طاقم البعثة بمغادرة المملكة واعتبارهم أشخاصاً غير مرغوب فيهم وعليهم مغادرة المملكة خلال 24 ساعة. وأشار البيان إلى أن هذا الإجراء تم اتخاذه؛ لأن «استهداف المملكة وسيادتها والأعيان المدنية والمصالح الاقتصادية والمقرات الدبلوماسية، يعتبر انتهاكاً صريحاً لكل المواثيق ذات الصلة ومبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول واتفاق بكين وقرار مجلس الأمن رقم 2817 ويتنافى مع ما تقوله إيران وتفعل عكسه».

موقف أي دولة إزاء أي انتهاك لسيادتها أو عدوان عليها يتم وفق خطوات معروفة في بروتوكولات العلاقات الدولية، وهذا ما لا تعرفه إيران أو تعرفه وتحاول تجاهله. وعندما تقرر المملكة اعتبار عدد من أفراد البعثة الدبلوماسية الإيرانية في المملكة أشخاصاً غير مرغوب فيهم وعليهم المغادرة خلال 24 ساعة فذلك يعني رسالة واضحة معروفة في الأعراف الدبلوماسية. ولكن عندما يؤكد بيان وزارة الخارجية على أن المملكة: «لن تتوانى في اتخاذ ما يلزم من إجراءات لحفظ سيادتها وصون أمنها وحماية أراضيها وأجوائها ومواطنيها والمقيمين فيها ومقدراتها ومصالحها استناداً على المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة» فإنها رسالة أخرى أكثر وضوحاً يجب أن تأخذها إيران على محمل الجد، ويجب أن تستوعب جيداً أن هناك دولاً لا يجب فهم تعقلها على أنه تردد في حماية أوطانها بأي طريقة عندما يتطلب الأمر ذلك.

ستفهم إيران هذه الحقيقة متأخراً، عندما يحل اليوم التالي وتجد نفسها أنقاضاً بسبب حماقتها، وتكتشف أنها في أمس الحاجة لجوارها الذي مدّ لها كل الجسور لعلاقات إيجابية لكنها أصرت على خسارته.