لم يكن صمت الإخوان المسلمين في الكويت عن العدوان الإيراني على دول الخليج زلة بيان أو سهو لغة، بل كان انعكاساً لخطاب سياسي قديم يتّسم بحدة تجاه السعودية ودول الخليج، ومرونة لافتة عندما تكون طهران طرفاً في المعادلة.

منذ صدور بيان جماعة الإخوان المسلمين في الكويت – الحركة الدستورية – في اليوم التاسع بشأن العدوان الإيراني على الكويت، لم يصدر أي إدانة صريحة، بل حتى غير مباشرة، لهذا العدوان على دول الخليج.

جاء البيان بلغة رمادية متحفّظة، أقرب إلى التهرّب السياسي من تسمية المعتدي، وكأن العدوان الذي استهدف دول الخليج لا يستحق في نظر الجماعة موقفاً واضحاً لا لبس فيه.

غير أن هذا الصمت أو التردد ليس أمراً طارئاً في تاريخ الجماعة وخطابها السياسي؛ فمن يتابع مسار تنظيم الإسلام السياسي، وخصوصاً منذ الغزو العراقي للكويت وما سبقه من أحداث، يدرك أن مواقف الإخوان كثيراً ما تحكمها حسابات التنظيم لا حسابات الدولة الوطنية، فالموقف الخطير يكمن في موقف الجماعة تجاه العدوان الإيراني على دول الخليج، على خلاف ارتفاع نبرة خطاب الجماعة بصورة لافتة في قضايا أخرى، وفي مقدمتها اغتيال إسماعيل هنية في طهران.

وهنا يبرز فلك الإخوان المسلمين بوضوح:

فمناخ الإخوان السياسي والديني، يميّز بين اغتيال قيادي في حركة حماس، إسماعيل هنية، وبين عدوان إيراني على دول الخليج، وذلك لأن الحسابات لدى الإخوان مختلفة تماماً تجاه الحدثين.

ماذا لو وقع اغتيال لأحد قادة حماس في الكويت أو السعودية أو دولة خليجية أخرى؟

بالتأكيد، لن يقف الإخوان على المسافة الرمادية ذاتها من الحدث، إذ سيتحول الموقف إلى توجيه أصابع الاتهام فوراً إلى هدف للاتهام السياسي وربما للتحريض الإعلامي ضد دول الخليج.

إن هذا التفاوت في الخطاب لا يمكن فصله عن الإشكالية القديمة في علاقة الإخوان بالدولة الوطنية في الخليج.

فالتجربة أثبتت مراراً أن الجماعة أكثر حدّة في خطابها تجاه بعض الدول العربية – وفي مقدمتها السعودية – في الوقت الذي تتراجع فيه تلك الحدّة عندما تكون إيران طرفاً في المعادلة السياسية.

وليس خافياً أن السعودية، التي اتخذت موقفاً واضحاً بحظر نشاط جماعة الإخوان المسلمين، تحوّلت في أدبيات وخطاب الجماعة إلى هدف دائم للنقد السياسي والخصومة الإعلامية، في حين تبدو لغة الجماعة أكثر حذراً ومرونة عندما يتعلق الأمر بطهران أو حلفائها في المنطقة.

هذا التناقض يعيد إلى الذاكرة السياسية كارثة الغزو العراقي للكويت، وما رافقها من أحداث مثل مؤتمر جدة الشعبي، حيث التزمت قيادات الحركة الدستورية الصمت سنوات طويلة قبل أن تعود بعد أكثر من عقدين لتقديم روايات جديدة حول تلك المرحلة.

ومن بين تلك الروايات ما قيل عن رسالة مصطفى مشهور، نائب المرشد العام للإخوان المسلمين آنذاك، إلى مؤتمر جدة الشعبي، أو عن لقاء مزعوم بين الأمير الوالد الراحل الشيخ سعد العبدالله مع وفد من حركة حماس في ديسمبر 1990 في جدة.

فقد جاء إحياء هذه الروايات في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر التي نفذتها حركة حماس، في سياق يبدو أقرب إلى محاولة إعادة صياغة الذاكرة السياسية الخليجية وتلميع صورة حماس في لحظة إقليمية مضطربة، ولو على حساب الوقائع التاريخية.

فجماعة الإخوان، في بنيتها الفكرية والتنظيمية، تقوم على أولوية التنظيم الدولي ومرجعية المرشد قبل أي اعتبار آخر.

ومن هنا يمكن فهم هذا التباين الواضح في خطاب الجماعة:

صمت أو تردد تجاه عدوان إيراني مباشر على دول الخليج، مقابل حدّة خطابية حين يتعلق الأمر بدول عربية أخرى، ولا سيما السعودية.

فوضوح المواقف في القضايا المصيرية لا يحتمل الرماديات السياسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعدوان مباشر يستهدف دول الخليج واستقرارها.

غير أن هذه الحسابات والقراءات ليست ضمن خطاب وموقف الإخوان تجاه السعودية ودول الخليج، ولولا الضغط الشعبي الكويتي، والحرج السياسي لما بادر الإخوان في إدانة العدوان على الكويت.