لم تكتفِ السعودية خلال العقود الماضية، بأن تكون أكبر مصدر للنفط، لكنها بنت مقوّمات متكاملة من البنية التحتية للطاقة جعلتها مؤهلة لتصبح مركزاً عالمياً للطاقة، تتحكم إلى حد بعيد، بمفاتيح الإنتاج، والنقل، والتخزين، والتكرير، والأسواق، وربما تقنيات الطاقة مستقبلاً.

هناك عوامل مكّنت السعودية من أن تتبوأ هذه المكانة الطاقوية العالمية، بينها الموقع الجغرافي الإستراتيجي لتكون نقطة التقاء ثلاث قارات هي آسيا، أوروبا وأفريقيا. كما أن مشاطأة المملكة لأهم طرق الطاقة العالمية وهي الخليج العربي، البحر الأحمر، بجانب قربها من بحر العرب، والبحر الأبيض المتوسط يعد قيمة عالية.

كما أن امتلاك السعودي ثاني أكبر احتياطي نفطي عالمي مؤكد، بجانب القدرة على زيادة الإنتاج بسرعة عند حدوث أزمات طاقة عالمية، حيث تلعب السعودية صمام الأمان للحفاظ على توازن سوق النفط العالمي.

بجانب أن السعودية تملك شبكة منافذ تصدير متعددة، حيث استفادت السعودية في تنويع منافذ التصدير، من تجربة التابلاين في خمسينات القرن الماضي والذي ينطلق من شرق المملكة إلى شمال السعودية وصولا إلى ميناء الزهراني في لبنان، وتمتلك موانئ على الخليج العربي وأخرى على البحر الأحمر وتمتلك خطوط أنابيب داخلية تربط الضفتين، أهمها خط شرق–غرب«بترولاين» الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع.

كما أن السعودية تمتلك واحدة من أفضل البنى التحتية للطاقة في العالم، تتمثل في أكبر شركة نفط في العالم «أرامكو»، موانئ تصدير نفط متقدمة، مصافي تكرير ضخمة، ومجمعات بتروكيماويات عملاقة، وهذا مكّن السعودية من كامل قيمة الطاقة لديها.

بجانب أن السعودية تبني مستقبلها ليس على النفط فحسب، بل وعلى الغاز الطبيعي والهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وتعد السعودية لاعباً قيادياً عالمياً في سوق الطاقة العالمي، من خلال دورها القيادي الدولي في تحالف «أوبك»، وتحالف «أوبك بلس» وهو ما يمنح المملكة التأثير المباشر في أسعار النفط، مستويات الإنتاج، وتوازن السوق العالمي وهذا ما يجعل المملكة مؤهلة لأن تكون مركزاً لتداول الطاقة ومركزاً عالمياً لتخزين الطاقة، ومركزاً لتجارة مشتقات الطاقة لتتحول من دولة نفطية إلى دولة طاقة، ومنها بالتالي إلى مركز طاقة عالمي.

انطلقت القيادة السعودية من منطلق فكر اقتصادي وسياسي إستراتيجي، عندما أنشأت خط التابلاين سنة 1950، فهذا المشروع المتقدم كثيراً في عصره، لم يكن مجرد مشروع نقل نفط، بل كان قراراً اقتصادياً سياسياً إستراتيجياً يتعلق بالأمن القومي للطاقة ويربط شرق المملكة بشمالها ليفتح بوابة تصدير متقدمة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط مروراً بالأردن وسوريا ولبنان، إلى جانب العديد من الأهداف التي يحققها خط التابلاين؛ منها إيجاد العديد من المدن السعودية الناشئة على امتداد الحدود السعودية من بعض دول الجوار وبمحاذاة خط التابلاين، بما ترتب عليه من إستراتيجية توطين البادية حينئذ.

كان خط التابلاين واحداً من أعظم مشاريع الطاقة في القرن العشرين، لكنه توقف تدريجياً حتى أُغلق نهائياً نتيجةً لعدة عوامل جيوسياسية واقتصادية وتقنية؛ منها الاضطرابات والتوترات السياسية والانقلابات في دول العبور، فالخط كان يمر بالأردن وسوريا ولبنان، إلى جانب الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وفقدان عنصر الاستقرار، الأمر الذي جعل استمرار تشغيل الخط مهدداً وأمنياً، وهو ربما ما جعل جدوى الخط أقل اقتصادياً حينها، مقارنة بموانئ الخليج العربي أكثر مرونة أكثر سيادة، أقل تعقيدات سياسية، أكثر سيطرة وأقل كلفة مالية، وهو ما تطور لاحقاً ليتوج خط أنابيب شرق-غرب من المنطقة الشرقية إلى موانئ البحر الأحمر، متجاوزاً بذلك تحديات مضيق هرمز وهو ما أثبتته الحرب الأمريكية الحالية على إيران.

السؤال هل تعود فكرة فتح نافذة على البحر الأبيض المتوسط مجدداً للطاقة السعودية والخليجية ومشتقاتها في خضم المتغيرات والمستجدات الإقليمية والدولية وفي خضم البحث عن تنويع الممرات خاصة ما أفرزته منها التوتر أزمة مضيق هرمز والذي يمر عبره حوالى 20% من تجارة النفط العالمية، وما أفرزته من صعود مفهوم «ممرات الطاقة العالمية» والتوجهات العالمية في إنشاء ممرات طاقة برية وشبكات أنابيب عابرة للقارات على غرار خطوط الغاز بين روسيا وأوروبا وممرات الطاقة في آسيا الوسطى والأفكار والمشاريع الإقليمية الجديدة والقريبة من فكرة خط التابلاين مثل ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا ومشاريع أنابيب عبر العراق أو تركيا أو سوريا وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط.

لقد حبا الله المملكة موقعاً جغرافياً وموارد طبيعية مكنها من شواطئها وموانئها مباشرة، وفكراً إستراتيجياً وتخطيطاً مبكراً لفتح منفذ على بحر البحر الأبيض المتوسط، وربما يتم التوافق مع اليمن بعد أن تستقر على مد خط للطاقة السعودية إلى بحر العرب.

أصبحت المنافذ البحرية والبرية اليوم لا تقل أهمية عن مشتقات الطاقة والمنتجات الصناعية والزراعية، وأصبحت الدول تقيم حساباتها للمعابر والموانئ والممرات تماماً مثلما تضع خططها وحساباتها لجذب الاستثمارات العالمية، مع أخذ كل التحوطات اللازمة للتغلب على الأزمات والحروب والنزاعات في الحسبان. فمن المؤكد أن القيادة السعودية تضع كل هذه الاعتبارات في الحسبان طالما توفرت عوامل الاستقرار الأمني في دول الممرات لخطوط الطاقة وتمت التفاهمات الإقليمية والأهم الجدوى الاقتصادية لبناء شبكات من خطوط الطاقة.