قبل يوم واحد من انطلاق المعركة استبعدت وزارة الحرب الأمريكية (الدفاع سابقاً)، أحد أهم مورديها لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بسبب أن شركة أنثروبيك تريد تعديل قيود موجودة في التعاقد القائم بين الشركة والوزارة، حيث أشار الرئيس التنفيذي للشركة داريو أمودي بأن سبب الخلاف كان رفض الشركة لإزالة القيود الأمنية المفروضة على نموذج الذكاء الاصطناعي كلود، وتحديداً تلك التي تمنع استخدامه في الأسلحة ذاتية التشغيل والمراقبة الجماعية.

ويأتي ذلك أيضاً بعد تقارير تؤكد استخدام القوات الأمريكية لنموذج الذكاء الاصطناعي في عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والتي ما زالت عملية غامضة على مستوى دقتها ومحدودية الخسائر وسرعة الإنجاز، وكذلك خروج الهدف وزوجته سليمين واصطحابهم للولايات المتحدة.

بالطبع نتج عن ذلك تصعيد قضائي بين الطرفين وحديث عن توجه الوزارة إلى نموذج ذكاء صناعي آخر لا يقيّد وزارة الحرب في مهماتها، ولكن ما يعنينا هنا هو مناقشة دور الذكاء الاصطناعي في معارك اليوم.

فمن جهة يُطرح مبدئياً استخدامات بغرض رفع الكفاءة كالهدف الأول في تطبيقات الذكاء الاصطناعي عامة، فمثلاً في أروقة البنتاغون، لم تعد النقاشات تدور حول عدد الرؤوس الحربية، بل حول «سرعة الاستجابة» (Inference Speed)، وهو مصطلح مرتبط بجودة وسرعة تحليل البيانات المقدّمة وإعطاء تنبؤات دقيقة.

وهذا مهم في المعركة مع تواجد عدد ضخم جداً من البيانات سواء تلك المرتبطة بأهداف إيرانية، أو المتعلقة برصد مسيّرات إيرانية، فالخوارزميات حدّدت مواقع منصات الإطلاق المتنقلة بدقة تصل لحوالى 98%، وهي نسبة دقة كانت متعذرة سابقاً خاصة مع تقنيات التمويه.

من الجانب الإيراني لا يعني حجب التقنيات عنها خاصة رقائق «Nvidia» المتقدمة منعها من استخدام هذه التقنيات بالمطلق، لكنها لجأت إلى تطوير ذكاء هجين مبني على فهم التقنيات الدفاعية مثل القبة الصاروخية الإسرائيلية واختراقها، مثل توجيه أسراب من مسيّرات «شاهد-136» عبر شبكات عصبية محلية الصنع، مما أغرق المنظومة الدفاعية لتل أبيب ببيانات مشوشة تؤثر على دقة الرادارات.

لكن الميزة التي امتلكتها إيران من بيانات قد تكون جمعتها من تجارب صراع حزب الله وحماس مع إسرائيل، إلا أن العقوبات التقنية ظلت مؤثرة حيث تفتقر النماذج الإيرانية الهجينة إلى مرونة التعلم اللحظي على شاكلة تلك التي تتمتع بها الأنظمة الأمريكية.

ولكن السؤال الذي يلح على فضول الصحفي هو عن حقيقة الغباء البشري الذي استلزم الذكاء الاصطناعي، فهل مثل استخدام ملايين البيانات وصور الأقمار الصناعية مسار أكثر نجاعة في الحرب بغرض رفع الكفاءة أم كان بديلاً لضعف الاستخبارات على الأرض، وصعوبة اختراق الدوائر القريبة من الأهداف.

فالقبض على خلايا هنا وهناك قد يكون جزءاً منه فيه حرب نفسية، لكن الأكيد أنه دلالة على تضييق أوسع لقدرات جمع المعلومات على الأرض، وربما كان تصريح السلطات الإيرانية بأن من يخرج إلى الشارع لا يعتبر معارضاً بل عدواً دلالة على درجة الحذر العالية لأحد طرفي المعركة.

ختاماً، تصف مجلة Time والتي عنونت غلافها «معركة الـAI»، بأن الذكاء الاصطناعي لم يدفع العالم بالضرورة نحو مزيد من الأمان، بل أسهم في خفض كلفة الانخراط في الحرب، وتسريع وتيرة استخدامها، وتعقيد مسارات ضبطها وإنهائها.

لا شك أن الحرب الجارية تمثل أول نموذج لحرب تكون تقنيات الذكاء الاصطناعي فيه طاغية، ولا شك أن هذه النماذج رفعت الراية البيضاء وأعلنت أن الخوارزميات تفشل في التنبؤ بنهاية المعركة ما لم يكن هناك قرار بشري بذلك.