كلما اشتدت الريح والعواصف، تجلّت مكانة الدول وطبيعة العلاقات بينها، فإما أن تحملها الريح كرمال الربع الخالي، أو أن تصمد مثل صخور الكوارتزيت، التي تزداد صلابة من قرن لآخر.

منذ عقود طويلة ارتبطت القاهرة والرياض بوحدة المصير رغم أي تباينات لم تجد أي مساحة في العلاقات التي ترسّخت على ركائز صلبة في القلب منها الأمن والتنمية في منطقة تعج بالصراعات والنزاعات والمؤامرات.

لا يمكن اعتبار العلاقة بين البلدين مجرد تحالف، بل هي بمثابة «توأمة استراتيجية» بالغة الأهمية، وهذا بالطبع لا يعني الاستغناء أو التقليل من دور كل العواصم العربية الشقيقة التي تتكامل مكانتها بمكانة القاهرة والرياض، وتزيد مواقفها من قوة القرار العربي الذي بتنا في أمس الحاجة إلى الحد الأدنى من وحدته أمام ما يشهده العالم من تحوّلات، للحفاظ على ما تبقى من استقرار منطقتنا.

رغم أن البعض يعود بالتاريخ لحرب 1973 باعتبارها محطة فارقة في تاريخ العلاقات بين البلدين، إلا أن الكثير من المحطات سبقت نصر أكتوبر، بداية من معاهدة الصداقة 1926، وأولى الاتفاقيات التي وقّعت بين البلدين، وكذلك دعم المملكة بقوة لمصر في مطالبها الوطنية لجلاء القوات البريطانية، في المحافل الدولية، واتفاقية التعمير 1939 التي أنجزت من خلالها مصر مشاريع عمرانية في المملكة الشقيقة، وصولاً لاتفاقية الدفاع المشترك (1955)، التي أسست لمراحل لاحقة أثناء العدوان الثلاثي وحرب الاستنزاف وحرب أكتوبر.

كل المحطات السابقة أكدت أن العلاقات بين البلدين ليست مرحلية، ولا تقوم على المنفعة المتبادلة فحسب، بل أعمق من ذلك بكثير.

في الوقت الراهن تتطابق المواقف أيضاً تجاه العديد من القضايا التي تشكّل «وحدة» في المخاطر والتحديات، سواء ما يعلق بأمن البحر الأحمر، والقضية الفلسطينية، وعمليات التقسيم، وغيرها من المخاطر التي تتطلب تكاتف الجهود العربية الأخرى مع القاهرة والرياض للحد من التبعات الواقعة.

إلى جانب الأمن والاستقرار تبرز لغة الاقتصاد، التي تعدّ ركيزة أساسية للحفاظ على الاستقرار وتثبيت ركائز القوة، وكذلك تحقيق الأهداف الاقتصادية المشتركة للبلدين بحجم تبادل تجاري ينمو بشكل كبير من عام لآخر، مما يجعلهما من أهم الشركاء التجاريين لبعضهما البعض، خاصة أن المملكة العربية السعودية واحدة من أكبر المستثمرين في مصر، باستثمارات تراكمية تقارب 50 مليار دولار، تشمل العديد من القطاعات، مثل الطاقة، العقارات، الزراعة، والسياحة، بما يعزز الاستفادة المتبادلة، إذ تعد مصر سوقاً مهما وبوابة نحو أفريقيا للمنتجات السعودية، بالإضافة لفرص العمل والتنمية التي تتحقق من خلال الاستثمارات السعودية، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن هذه العلاقة قادرة على صنع الفارق في منطقة الشرق الأوسط، سياسياً واقتصادياً.

تكمل التوأمة بين البلدين بركنها الثالث، ما بعد الأمن والسياسة، والاقتصاد والتنمية، يأتي الفن، ولا يقل أهمية عن الركيزتين السابقتين، إذ تعد العلاقة الفنية بينهما تاريخياً وحاضراً مغايرة عن كل أوجه التعاون بين مصر والدول العربية الشقيقة، فكانت السينما والدراما المصرية هي النافذة التي يطل منها الجمهور السعودي على العالم العربي، وشكّلت جسراً ثقافياً لا يمكن تجاهله، فيما عرفت السنوات الأخيرة، تطوّراً لافتاً في هذا التعاون، رأيناه في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، ومهرجان الرياض، وهنا أود الحديث بصراحة للجانبين، على المستوى الأول إن المصري بطبيعته لا يحقد على أحد ولا يخشى من أي صعود أو دور مهم للفن في دولة شقيقة خاصة إن كانت المملكة، لكنه غيور دائماً على الريادة، وربما هو السر الذي حافظ على مكانة مصر الفنية منذ عقود، وهو أمر يجب أن يفهم في هذا المسار، وعلى الجانب الآخر، فإنه من الطبيعي والمشروع أن تسعى المملكة لحضور فني وازن ورائد، وهو في النهاية يتكامل مع الحضور المصري، ولا يخصم أي منهما من مكانة الآخر.

في المجمل يتضح أن مصر والسعودية تواجهان تحديات متطابقة، بل يمكن اعتبارها وجودية اتصالاً بوحدة الأهداف والمبادئ والعلاقة الراسخة التي تربط قيادتي البلدين، وحرصهما على عدم انهيار الدولة الوطنية والوقوف بحزم أمام مخططات الكيان الساعي لتعزيز التقسيم في عدد من الدول، ما يتطلب اليوم تكاتفاً ضرورياً بين الشعبين لتنفيذ الرؤية المشتركة التي تتكامل أيضاً بدور الدول العربية الشقيقة في فلسطين والسودان واليمن وليبيا والصومال وسوريا ولبنان.