تتميز مكة المكرمة أنها مدينة فريدة تتقاطع فيها الأبعاد الدينية والتاريخية والثقافية، لتجعلها ذاكرة حية ذات هوية منفردة، تقدم تجربة روحانية ومعرفية وثقافية متكاملة تشبع تجربة زائرها، خاصة مع اكتمال تهيئة مواقعها التاريخية، حيث عملت الهيئة الملكية لتطوير العاصمة المقدسة على تفعيل إستراتيجية المواقع التاريخية والإثرائية خلال عامي 2024 و2025، شمل تطوير منظومة متكاملة من الحوكمة، والنماذج التشغيلية، والاستدامة، وتقييم الأداء، ودراسة التراث اللامادي، بما يعكس انتقالاً من إدارة المواقع بوصفها أصولاً ثابتة، إلى التعامل معها بوصفها منظومة تجربة متكاملة، ذات أبعاد معرفية واقتصادية وثقافية !

نتحدث اليوم عن 23 موقعاً تاريخياً إثرائياً مهيأة للزيارة، حيث يجد زائر مكة المكرمة نفسه أمام مواقع تاريخية مفتوحة، مساجد ذات دلالات وجدانية عميقة، متاحف متخصصة، مراكز ثقافية، ومساحات عامة تجسر ارتباط الإنسان بالمكان، من جبل النور ومسار الصعود، إلى جبل الرحمة، ومسجد البيعة، ومساجد ذات حضور في السيرة والتاريخ، وصولاً إلى متاحف القرآن الكريم والسيرة النبوية وعمارة الحرمين، حيث تتشكّل تجربة متنوعة، تمتزج فيها حواس المشاهدة بمشاعر التأمل !

ومن بين هذه المواقع، تبرز عين زبيدة بوصفها واحدة من أعمق الشواهد على التقاء الإيمان بالهندسة، والرحمة بالفعل الحضاري. فعلى امتداد أكثر من ألف عام، ظل هذا المشروع المائي شاهداً على جهدٍ إنساني استثنائي خُصِّص لخدمة ضيوف الرحمن، قبل أن يُعاد اليوم تقديمه كموقع مهيأ للزيارة، يتيح للزائر الاقتراب من خبايا قصته ضمن بيئة منظمة ومرافق مدروسة، تكشف أبعاده التاريخية والهندسية دون إخلال بأصالة المكان. هناك، لا يطّلع الزائر على أثرٍ محفوظ وحسب، بل يعيش تجربة معرفية تُعيد وصل الماضي بالحاضر، وتمنح الماء قصته، والمكان ذاكرته، والزيارة معناها العميق !

كما برزت أهمية إنشاء مراكز الزوار وتفعيل مواقع التوثيق بتمكين الزائر من القيام برحلة معرفية تبني فيها ذكريات ثمينة لا تنسى، وإقامة روابط عاطفية مع التاريخ والمكان بما يعمّق أثر الزيارة ويمنحها قيمة زمنية تتجاوز اللحظة إلى الخلود في الذاكرة !

أما مشروع «مسارات مكة»، فيمثل انتقالاً نوعياً في تكوين هوية متفردة لمكة، تجمع بين الروحي والتاريخي والثقافي، وتعيد ترتيب العلاقة بين المواقع، لا بوصفها نقاطاً متفرقة في رحلة الزائر، بل كحكاية تُروى مدى الحياة، ناهيك عن الهوية البصرية التي يقدمها برج الساعة ويسهم فيها تطوير مركز علوم الكون بإشباع رضا الزائر وتقديم نموذج لامتزاج الاستثمار في المحتوى والمادة !

لقد نجحت الهيئة الملكية للعاصمة المقدسة في نظم إيقاع التطوير والتخطيط والتفعيل، وأسهمت في تهيئة المواقع وتعزيز الوصول إليها، ضمن رؤية أشمل لإعادة تقديم مكة بما يليق بمكانتها، دون إخلال بخصوصيتها أو قدسيتها !

باختصار.. في زمن تتسارع فيه المدن نحو الحداثة، تبدو مكة المكرمة وهي تستثمر في ذاكرتها لتصنع هويتها المتفردة كمدينة لا تسكن وجدان أهلها وحدهم، بل الملايين الذين يزورونها بلا توقف من جميع أنحاء العالم !