يجيءُ هذا المقال ثمرة اقتراح فكريّ لافت من الأستاذ الدكتور علي بن حسن الصميلي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة جازان، المعروف باشتغاله الجاد على التاريخ الوطني وقلقه العلمي إزاء حضوره في الوعي العام، ولا سيما في الفضاء الجامعي. فقد انطلق الاقتراح من إيمان عميق بأن التاريخ ليس مادة تكميلية، بل ركيزة أساسية في بناء الوعي الوطني، وأن غياب تدريس تاريخ المملكة بصورة منهجية وإلزامية في الجامعات يترك فراغاً معرفياً لا ينسجم مع مكانة الدولة ولا مع تحوّلاتها الكبرى. ومن هذا الهاجس المعرفي، تأتي هذه المقالة بوصفها محاولة لتفكيك الفكرة، وتوسيع أفقها، وطرحها للنقاش العام؛ بوصفها قضية تعليمية ووطنية ملحّة.

وبهذه المناسبة أقول إنها في لحظة تاريخية فارقة، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها دولة عظمى ذات ثقل اقتصاديّ عالمي، ودور سياسيّ فاعل في توجيه مسارات الإقليم والعالم. هذا التحوّل لم يكن نتاج طفرة عابرة، ولا نتيجة ظرف دوليّ مؤقّت، بل هو حصيلة مسار تاريخيّ طويل، تشكّلت خلاله الدولة، وترسّخت مؤسّساتها، وتراكمت خبراتها في إدارة التحدّيات وبناء الفرص. ومن هذا المنطلق، يصبح تدريس تاريخ المملكة كمادّة جامعية إجبارية على جميع الطلاب، بمختلف تخصّصاتهم، ضرورة معرفية ووطنية لا تقبل التأجيل.

فالجامعة ليست فضاءً مهنياً محضاً، يُعدّ الأطباء والمهندسين والمحاسبين فقط، بل هي مؤسّسة وعي، تُسهم في تشكيل الإنسان قبل المتخصّص، والمواطن قبل الموظّف. وحين يتخرّج الطالب السعودي وهو يفتقر إلى معرفة منهجية بتاريخ بلاده، فإنّ خللاً عميقاً يتشكّل في وعيه العام، مهما بلغ من التفوّق الأكاديمي في تخصّصه الدقيق، إذ لا يمكن بناء عقل وطنيّ متوازن من دون فهم السياق التاريخي الذي أنتج الدولة، وحدّد خياراتها، ورسم ملامح دورها الإقليمي والدولي.

إنّ تاريخ المملكة ليس سرداً لوقائع ماضية، ولا توثيقاً لأحداث منتهية، بل هو سرديّة تأسيس وبناء وتحويل. هو تاريخ الكفاح من أجل توحيد الدولة، وتثبيت الاستقرار، وبناء المؤسّسات، ثم الانتقال إلى مشاريع التنمية الشاملة، وصولاً إلى مرحلة التأثير العالمي وصناعة القرار. وهذا التاريخ، حين يُدرَّس بوعي علميّ نقدي، يمنح الطالب أدوات لفهم الحاضر: لماذا تتّخذ الدولة مواقف معيّنة، وكيف توازن بين مصالحها الوطنية والتزاماتها الدولية، وما الذي يجعلها قادرة على لعب أدوار قيادية في ملفات الاقتصاد والطاقة والسياسة والأمن.

كما أنّ إلزامية تدريس تاريخ المملكة تُسهم في ترسيخ الهوية الوطنية على أساس المعرفة لا الانفعال، وعلى الفهم لا الترديد. فالهوية التي لا تستند إلى وعي تاريخيّ راسخ تظلّ هشّة، قابلة للاهتزاز أمام الخطابات السطحية أو القراءات المشوّهة. أمّا حين يعرف الطالب تاريخ بلاده، ويُدرك تعقيداته، ويتعرّف على مراحل تطوّره، فإنه يصبح أكثر قدرة على الدفاع عن وطنه بالحجّة والمعرفة، لا بالشعارات وحدها.

ولا يصحّ القول إنّ التاريخ شأن يخصّ طلاب العلوم الإنسانية دون غيرهم. فطالب الطب الذي يمارس مهنته في مجتمع له خصوصيته التاريخية، وطالب الهندسة الذي يشارك في بناء مدنه، وطالب الاقتصاد الذي يقرأ مؤشّراته وأسواقه، جميعهم بحاجة إلى فهم الخلفية التاريخية التي شكّلت هذا المجتمع، وحدّدت مسارات نموّه وخياراته الاستراتيجية. إنّ التاريخ هنا معرفة مشتركة، تشكّل القاسم الثقافي والوطني بين مختلف التخصّصات.

ثمّة بُعدٌ آخر لا يقلّ أهمية، يتمثّل في أنّ الدول الكبرى تحرص دائماً على إدماج تاريخها في مناهجها الجامعية؛ إدراكاً منها بأنّ الوعي بالتاريخ جزء من الأمن المعرفي، ومن بناء الثقة بين المواطن ودولته. فالمواطن الذي يفهم تاريخ بلاده، ويُدرك حجم التحدّيات التي تجاوزتها، يكون أكثر استعداداً لتحمّل مسؤوليات الحاضر، وأكثر وعياً بتعقيدات المستقبل.

من هنا، فإنّ جعل تاريخ المملكة مادّة جامعيّة إجبارية ليس ترفاً أكاديمياً، ولا استجابةً لاعتبارات رمزية، بل هو خيار استراتيجي، يستثمر في الإنسان السعودي، ويعزّز وعيه، ويُحصّن انتماءه، ويجعله شريكاً حقيقياً في مسيرة الدولة. فالدولة التي تقود الاقتصاد العالمي، وتُسهم في توجيه السياسة الدولية، تستحقّ أن يكون تاريخها حاضراً في وعي أبنائها، مدروساً بعمق، ومفهوماً بوعي، ومحمولاً إلى المستقبل بثقة ومسؤولية.