المعرفة عند الإنسان البدائي كان يحصل عليها من تجاربه وخبراته وما تعلمه من حكماء جماعته. كانت العلوم عبارة عن تجارب حصل عليها من حواسه وملاحظاته. وتطوّرت الوسائل من شفهية والتلقي إلى الكتابة، فقد تم اختراع الكتابة في بلاد الرافدين ومصر القديمة (حوالى 3200 ق.م) وفي الجزيرة العربية الأمر الذي سمح بتخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال. وقد قدّمت الحضارات اليونانية والفارسية والهندية والصينية والإسلامية ومفاهيم الفلسفة والمنطق والملاحظة المنظمة وتأسيس المنهجية العلمية والعقلانية الكثير من المعرفة. وكان دور الصين والهند القديمتين هامين في المعرفة وبشكل خاص صناعة الورق، البارود، الرياضيات، والروحانيات والغاية الكبرى والانسجام الأخلاقي الذي ركّز على الأخلاق والسلوك الصحيح لتحقيق النظام في المجتمع (الكونفوشيوسية). كما أسهمت الحضارة الإسلامية في التطوير العلمي والرياضيات والطب والفلك والكثير من العلوم الإنسانية طوال القرن 8 من الميلاد وحتى 14م. وجاء عصر النهضة الأوروبية (14-17م) الذي من خلاله تم إحياء التراث اليوناني-الإسلامي وبداية الفن والتجربة. ثم الثورة العلمية في أوروبا (القرن 16-18) التي تحولت فيها المعرفة إلى مجالات متخصصة (العلوم الطبيعية/الاجتماعية) وارتباطها بالتكنولوجيا، أو ما يسمى الثورة الصناعية والتخصص المعرفي. ثم جاء ما يسمى بعصر التنوير وتأسيس المعرفة المؤسسية؛ وانتشار الأفكار العقلانية وإنشاء الأكاديميات العلمية والمجلات المحكمة. وفي القرن العشرين خطت الإنسانية إلى عصر المعلومات والعولمة واختراع الحاسوب والإنترنت، مما جعل المعرفة متاحة عالمياً وسريعة التطور.

إن آليات التطوّر المشتركة تكمن في التراكم التي من خلالها يتم إضافة معلومة جديدة على المعرفة القديمة. ومن خلال النقد ومراجعة النظريات القائمة يحدث التطوير وكذلك يُساهم التلاقح الحضاري في انتقال المعرفة عبر الثقافات (مثل طريق الحرير)، ومن خلال تطوّر أدوات البحث (المجهر، التلسكوب، الحاسوب).

هذا التطوّر لم يكن خطياً، بل تفاعلياً، تأثر بالسياقات الاجتماعية والاقتصادية والدينية، فضلاً عن دور الترجمة مثل بيت الحكمة في بغداد، وترجمة أعمال المسلمين في الأندلس إلى اللاتينية. ودور المؤسسات مثل الجامعات (الأزهر، القرويين، ثم بولونيا وأكسفورد).

وتَسارَع إنتاج المعرفة بشكل كبير في القرون الأخيرة.

يقول الدكتور معين القطامين «نحن اليوم أمام انفجار معرفي غير مسبوق يغيّر شكل العالم أسرع مما نستطيع استيعابه. انفجار البيانات العالمية من 15.5 زيتابايت عام 2015 إلى 175 زيتابايت في 2025 وصولًا إلى 1000 زيتابايت متوقعة عام 2030. هذا ليس تضاعفًا... هذا انفجار معرفي يغيّر كل شيء». إنه انهيار معرفي لنصف عمر المعرفة التي نتحصل عليها. في حين أنه منذ 100 عام كانت المعرفة تبقى صالحة لعقود. كل ذلك تغيّر مع السرعة والتسارع في إنتاج المعرفة، لأن المعرفة

اليوم قد تصبح قديمة خلال شهور قليلة.

تقارير WEF, OECD, IBM، والعديد من المعاهد

العلمية تؤكد أن: نصف عمر المهارة: 5 سنوات

نصف عمر المهارات التقنية: 2.5 سنة أو أقل

بعض التخصصات تتقادم معرفتها خلال 12 شهرًا فقط. بل 3 أشهر في عالم الخوارزميات والسوشيال ميديا. وفي الطب قد تتقادم خلال سنتين. لقد أصبح العالم ينتج قرابة مليون بحث طبي سنويًا! هذا يعني: 2740 بحثًا يوميًا.

أمام هذا الانفجار المعرفي يفرض علينا لزامًا التحوّل من امتلاك المعرفة إلى إدارة المعرفة التي تعلم كيفية البحث، التقييم النقدي للمصادر، الربط بين المجالات (التفكير البيني).

وأهمية المهارات الناعمة: مثل التفكير النقدي، الإبداع، المرونة الذهنية، التعلم المستمر. هذه المهارات تقاوم التقادم أبطأ من المهارات التقنية الصرفة. كما أصبح لزاما على المؤسسات التعليمية تغيير دورها من نقل المعرفة إلى بناء قدرات التعلم الذاتي والتمحيص.

نعم الحل يكون في محاولة مواكبة التطوّر بالاطلاع على آخر المستجدات وتناولها ككبسولات. واستخلاص الحكمة والمقصد والهدف من المعارف والمفاهيم في ضوء التجارب الإنسانية والخبرات التراكمية.