يقول تولستوي، وهو من أكثر من فهموا النفس البشرية في أوج اضطرابها:

«إذا فقدت الرغبة في عتاب من تحب فاعلم أنك قد شيّعت حبه إلى مثواه الأخير».

عبارة تفتح أبواباً واسعة على أسرار العاطفة الإنسانية، تلك اللحظات التي يتبدّل فيها الحب من دفءٍ عميقٍ إلى صقيعٍ صامت، ومن حضورٍ طاغٍ إلى غيابٍ مطبق.

العتاب هو صلاة القلب الأخيرة، تهمس بها الروح في وجه الغياب علّها تُستجاب.

فإن سُمِعَت، عاد الحب إلى الحياة، وإن رُدَّت بصمت، طُويت الصفحة، ومضى كلٌّ في طريق، تاركاً خلفه ذكرى حنينٍ لم يكتمل.

فهو الدليل الأخير على أن الحب ما زال يتنفس.

العتاب، في جوهره، ليس خصومة، بل هو فعل حب نقيّ، ومؤشر حياةٍ يعلن أن القلب لا يزال يخفق، وأن العلاقة رغم ما أصابها من تشقق ما زالت تستحق المحاولة.

إن من يعاتب لا يريد أن يهدم، بل يسعى لأن يُصلح، لا يرغب في الانتقام، بل يحنّ إلى التفاهم.

فالعتاب هو اللغة السرية للعاشقين، ورسالة القلب حين تضيق به الكلمات.

إنه أشبه بنَفَسٍ أخير قبل أن يختنق الحب. فالصمت لا يأتي إلا حين تُستنزف طاقة الشعور، حين يملّ القلب من الانتظار والتبرير، وحين يفقد الأمل في أن يُفهم. عندها، يصبح الكلام عبثاً، والسكوت خلاصاً، فيُدفن الحب في مقبرة الصمت، دون ضجيج، ودون جنازة ظاهرة، بل بدموعٍ داخلية لا يراها أحد.

علم النفس العاطفي يُسمّي هذه المرحلة باللامبالاة الانفعالية، وهي حالة خطيرة تتجمد فيها المشاعر فلا فرح يُحركها ولا غضب يُثيرها.

إنها لحظة انتهاء الصراع بين القلب والعقل، حين ينتصر التعب

في الغضب لا يزال هناك أمل، لأن الغاضب يريد أن يُسمع صوته، وأن يغيّر ما يوجعه.

أما اللامبالاة، فهي إعلان استسلام، وإغلاق للباب الذي كان مفتوحاً ذات يوم على مصراعيه. العتاب لا يصدر إلا عن قلبٍ صادق؛ لأنه يحمل في طياته اعترافاً بالحب وحرصاً عليه.

فكم من قلوبٍ فقدت أحباءها لا لأنها كرهتهم، بل لأنها توقفت عن عتابهم! فالعتاب هو لغة النقاء، للمؤمنين بجدوى العلاقة، ويأملون أن تعود كما كانت.

إنه أشبه بآخر حبلٍ يُمسك به الغريق قبل أن يبتلعه التيار.

ومع ذلك، فليس كل عتابٍ يُفهم، ولا كل من يُعاتَب يدرك عمق الرسالة التي تحملها الكلمات.

أحياناً يظن الحبيب أن العتاب تجنٍّ أو تضخيم، بينما هو في الحقيقة استغاثة لطيفة، صيحة حبٍّ تريد أن تُقال دون أن تجرح.

الذين يملكون القدرة على الإصغاء إلى عتاب من يحبونهم، يمتلكون مفاتيح النجاة؛ لأنهم بذلك ينقذون العلاقة من موتٍ بطيء، وحين يغيب العتاب، يبدأ الموت الصامت للمشاعر.

كل شيء يبدو طبيعياً من الخارج، لكن الداخل خاوٍ كقصرٍ مهجور.

تلك هي المرحلة التي يصبح فيها اللقاء عادة، والكلام مجاملة، والمشاعر رماداً دافئاً لا يشتعل عندها، يكون الحب قد انتهى بالفعل.

يقول الحكماء نعاتب من نحب، ونتجاهل من لم يعد يعني لنا شيئاً

فالعتاب امتداد للحب، أما التجاهل فهو بداية نهايته.

فالصمت ليس سلاماً دائماً، بل علامة على أن الحرب انتهت بانسحاب الطرفين دون نصرٍ ولا مصالحة.

مقولة تولستوي ليست مجرد ملاحظة عاطفية، بل هي تأمل في طبيعة الإنسان حين يواجه الفقد.

فالمشاعر لا تموت فجأة، بل تنطفئ ببطء، كما تخبو النار حين لا تجد ما يغذيها.

إنها الشرارة الأخيرة التي تحاول إبقاء اللهب حيّاً.

فإذا غابت، ساد الظلام، وتحوّل الحب إلى ذكرى باهتة، يمر عليها الزمن كما يمر على الأطلال.

العتاب، مهما بدا مرهقاً، يظل أجمل من الصمت؛ لأن فيه حياة، وفيه صدق، وفيه محاولة.

أما الصمت، فمهما بدا راقياً أو متزناً، فهو في كثير من الأحيان غطاء للخذلان أو للهزيمة.

الأرواح النبيلة لا تصمت إلا حين تُهزم تماماً، حين تستنفد كل وسيلة، وتدرك أن الكلام لم يعد يجدي. حيث تُدفن العاطفة واقفة، شامخة، كما تموت الأشجار الكبيرة صامتة، لكنها لا تُنسى.