-A +A
عقل العقل
قبل أسابيع سيطرت حادثة اختفاء الغواصة تيتان في جوف المحيط الأطلسي على أنفاس العالم، وأصبح البحث عنها حديث الناس في بقاع الكون. النتيجة كانت مفجعة وحزينة على الأقل لأقارب الضحايا الخمسة الذين فقدوا حياتهم في ذلك الحادث المروع. هل نحن مجبرون أن نحزن عليهم في مغامرتهم تلك التي باعتقادي لا تتعدى نزوة أثرياء يملكون المال ويريدون الشهرة في رحلتهم البائسة تلك، والهدف منها هو مشاهدة بقايا سفينة الركاب المنكوبة «تيتانك» الغارقة هناك منذ عشرات السنين، التي اشتهرت أكثر بعد الفيلم الرائع والجميل الذي صوّر مأساتها وغرق وفقدان بعض ركابها في البحر. ضحايا الغواصة «تيتان» الخمسة يملكون المال ودفع الواحد منهم 250 ألف دولار لتلك الرحلة، ولا أعتقد أن البشرية ستفيد من رحلتهم الباذخة تلك في شيء ولو افترضنا أن فيهم العلماء لدراسة بقايا سفينة «تيتانك» ومحاولة دراسة أسباب غرقها أو ماذا حل فيها من النواحي العلمية لكانت رحلتهم لها معنى وقيمة، أما أن يكون الهدف هو النظر لبقاياها والتقاط صور لها ونشرها في وسائل التواصل الاجتماعي فهذه اعتبرها نزوات شخصية لا تقدم إضافة للبشرية. لا شك أن الملايين تعاطفوا مع نهايتهم المأساوية بسبب الزخم الإعلامي الضخم في متابعة مصير غواصتهم، ولكن لا يعني ذلك أهمية رحلتهم، مقارنة ما حدث لغواصة الأثرياء هذه وانفجار مكوك الفضاء تشالنجر في ثمانينيات القرن الماضي بعد إطلاقه بثوانٍ معدودة ومصرع من كانوا داخله، وهم سبعة رواد فضاء، مثل هذه الحوادث تظل في الذاكرة أولاً أن الحادث مشاهد مباشرة على محطات التلفزة في وقت وقوعه. ثانياً أن مثل هذه الرحلات لها فوائد علمية عظيمة للبشرية في التجارب التي يقوم بها بعض أفراد تلك المركبات الفضائية.

هل أنا ضد مفهوم المغامرة بالمطلق، طبعاً الإجابة لا، وأنا مع المغامرة التي لا شك قرينة المخاطر والنهايات الحتمية، ولكن أهدافها هي باعتقادي هي الأساس والدافع لهذه المغامرات وطبعاً هذا لا يعني أن المغامرين قد تدفعهم ظروفهم الشخصية في مغامراتهم من حياة رتيبة مثلاً، ويحتاج أن يركب المخاطر، ويكتشف نفسه وما تجلبه تجربة المغامرة مهما كانت بسيطة من رضا عن الذات أو بسبب معرفي أو مادي في مغامرات عديدة. في عالمنا العربي نعيش حالة من الركود والسكون وعدم التشجيع على خوض المغامرات، قلة منا لهم تجارب شخصية في هذا المجال، وهم في الغالب مِن الناجحين في حياتهم فتجدهم يتحدون الطبيعة في رحلاتهم على سفوح الجبال أو في القطب المتجمد الشمالي، نظرية «من خاف سلم» مدمرة إنسانياً للشعوب والدول، كم من الرحالة الغربيين مثلاً جابوا البلاد العربية وعاشوا سنوات طويلة من السكان المحليين وأتقنوا لغاتهم ولهجاتهم وكتبوا عن عاداتهم وثقافاتهم المحلية، وقد يكون للبعض منهم أهداف سياسية استعمارية في ذلك الزمن، ولكن الأكيد أن أغلبهم لديهم روح المغامرة قبل كل شيء.