-A +A
محمد مفتي
ضحكت ملء شدقي وأنا أستمع لما ذكره وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي عن حرب اليمن، ولم يكن مصدر ضحكي هو إعجابي بما ذكره عن حرب اليمن، بل سخريتي إن صح التعبير، فتصريحات القرداحي لم تكن غريبة أو غير متوقعة على الإطلاق، فقد سبق أن ذكرت في مناسبات عديدة في زاويتي بصحيفة «عكاظ» بأننا يجب ألا نثق كثيراً في «بعض» الساسة اللبنانيين، فتصريحاتهم النارية تنم عما يدور داخل أروقة ودهاليز السياسة اللبنانية الخفية، التي من الواضح أنها تخفي الكثير من مشاعرها الحقيقية تجاه دول الخليج ولا سيما المملكة.

تصريحات الوزير اللبناني لم تكن الأولى من نوعها، ومن المؤكد أنها لن تكون الأخيرة، فبعض من تصريحات ساسة لبنان أوضحت بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك توجهاً عاماً لإنكار ما سبق وقدمته المملكة العربية السعودية لهذا البلد، في الوقت الذي انهمك فيه بعض من ساسته في المتاجرة الرخيصة بقضيته، بعد أن دفعوا البلاد لحافة الهاوية خلال سنوات الحرب الأهلية التي طحنت الشعب اللبناني وقضت على الأخضر واليابس فيه، وحولته لبلد يائس فقير بعد أن كان أحد أكثر البلاد العربية تميزاً وازدهاراً.


يعلم الكثيرون أن الحرب الأهلية اللبنانية أخرجت من بين ظهرانيها العديد من أمراء الحرب ممن كانوا يجوبون دول الخليج لطلب الدعم المالي بدعوى إعادة إعمار بلادهم، غير أن تلك الأموال الطائلة للأسف لم يصل إلا القليل جداً منها للشعب اللبناني، في الوقت الذي تراكمت فيه داخل خزائن هؤلاء الزعماء إلى أن وصلت إلى حد التخمة، وكانت سبباً في إثرائهم على نحو فاحش بعد أن نجحوا في حيازتها من خلال جولاتهم المكوكية.

لم تبخل دول الخليج يوماً على الشعب اللبناني الشقيق، ولم ترد يوماً يداً امتدت لها لطلب المساعدة، ولكن بعض تجار الحرب باعوا وطنهم بأبخس الأثمان، وأنا لا أتجنى هنا من منبري على أحد، فأي متابع للشأن اللبناني يمكنه أن يتحقق من ذلك من خلال متابعة ردود فعل المواطن اللبناني البسيط العنيفة، التي تظهر للعيان عقب كل كارثة تحل ببلده، وهو ما دفع بعض اللبنانيين إلى مناشدة الرئيس الفرنسي ماكرون عقب انفجار مرفأ بيروت بعدم تقديم الدعم للدولة وإنما للمواطن مباشرة، وهو ما يدل بوضوح على انعدام الثقة بين المواطن وبين حكومة دولته الهشة.

تصريح الوزير القرداحي لا يختلف كثيراً عن تصريحات كل من تنكروا للمملكة، فقد خرج قرداحي إلى النور من خلال شاشات الإعلام السعودي وهو لم يكتسب أي شهرة إلا من خلالها، ولم يتم اختياره وزيراً إلا بعد أن حقق نجاحاته عبرها، وأعتقد أنني لا أبالغ كثيراً إن قلت إنني لا يمكن أن أعقد أي أمل على وفاء مثل تلك الزمرة التي أدمنت سياسة عض الأيدي، فالقرداحي يدعي أن السعودية تخوض حرباً عبثية في اليمن، وقد تمزقت مشاعره الرهيفة حزناً على الشعب اليمني أكثر مما تمزقت على بلده الجريح منذ عقود، غير أنه يغض الطرف عن أن اليمن محتل بالفعل، ولكنه محتل من قبل الحوثي، وليس من قبل السعودية.

أراد الوزير اللبناني استدراك تصريحاته مبرراً ذلك بكونها سبقت تعيينه وزيراً، التوقيت هنا لا يهم كثيراً أيها الإعلامي الوزير، فالمهم بل والأهم هو أنك أخرجت قليلاً من مشاعرك تجاه بلد أكرم مثواك، وبهذا فأنت لا تختلف كثيراً عمن سبقك، فقد بدت البغضاء من أفواهكم ولعل ما تخفي صدوركم أكبر، وما أثار سخريتي هو تصريحه بأنه ملتزم بسياسة الدولة اللبنانية تجاه دول الخليج، ولا أعلم هل هذا التصريح اعتذار حقيقي، أم أنه مجرد استدراك لخطأ قد يكلفه منصبه الوزاري؟ أم هو في حقيقته ليس أكثر من تكتيك يحتفظ من خلاله بشعرة معاوية ليتمكن من العودة للعمل بالقنوات السعودية بعد أن يُلقى به خارج الحكومة؟

اعتدنا تماماً مسكنات ساسة لبنان وتفننهم في صوغ التبريرات، فهذا المسؤول لا يعني ما صرح به والآخر أخطأ في التعبير، وذاك خانته الكلمات وهذا لم يتعمد الإهانة، وهم يجيدون التبرير لتشتيت الضوء عن المغزى الكامن وراء تلك التصريحات المسمومة، غير أن المملكة على وعي كافٍ بما تنطوي عليه تلك التصريحات وما يدور داخل عقول هؤلاء الساسة، والذين هرب الكثيرون منهم من جحيم حربهم الأهلية المدمرة ليعيشوا بيننا كأنهم جزء منا، وما إن عادت الأمور لطبيعتها في لبنان حتى شرعوا في مهاجمة مضيفهم الكريم بلا هوادة، سواء بالتصريح أو بالتلميح.

قد يكون البعض أدمن مثل هذه التصريحات اعتقاداً منه أنها إحدى حلقات الابتزاز، وأن دول الخليج ستسعى لشراء مواقفهم، ولكن من الواضح أن مثل هذه التكهنات خاطئة تماماً، فهذه التصريحات ستدفعنا لبيعهم بثمن بخس؛ بل إنهم لا يستحقون حتى ثمن البيع، وكيف يمكن أن نشتري من لم يتورع يوماً عن مهاجمة المملكة مراراً وتكراراً، سواء في مجالسهم الخاصة أو عبر تصريحاتهم العلنية، فهم لم يتركوا مناسبة إلا وسارعوا بالتهكم على دول الخليج، ومساندة من يعتدي عليهم، وربما زينت لهم عقولهم المريضة أن هذا النهج المريض يعد تجارة رابحة، ولكن ستثبت لهم الأيام مدى خطأ منطقهم واعوجاج منهجهم، ووقتها لا يمكن تقبل المزيد من الأعذار ولا إبداء التسامح بأي صورة أو حتى قبول أية تبريرات.