-A +A
محمد الساعد
منذ وصول الخميني إلى مطار طهران الدولي فبراير 1979، هرب من إيران مئات الآلاف من المواطنين الإيرانيين الذين خشوا على أنفسهم من النظام الجديد، لقد كانوا على حق، فالخميني ونظامه نصبوا المشانق في الطرق والميادين العامة، وأعدموا كل من خالفهم أو توقعوا أنه يخالفهم، قتلوهم عند منازلهم وبين أطفالهم اغتالوهم خارج القانون وبلا محاكمات، صادروا الأموال وأمموا الشركات والأعمال وانتزعوا ثروات البلاد واختصوا بها أنفسهم وعشيرتهم فقط.

وخلال العقود الأربعة الماضية تبع المهاجرين الأوائل مئات آلاف آخرون، جميعهم شكلوا معارضة خارجية للنظام الإرهابي في طهران، توزعت في عواصم ومدن العالم الكبرى من لوس أنجلوس غربي الولايات المتحدة إلى لندن في أوروبا، أنشأوا المشاريع ورفعوا أصواتهم ونبهوا العالم لخطورة نظام الخميني وخامنئي، لكنهم لم يجدوا الدعم الغربي ولا من يستمع لشكواهم، كلها كانت شكليات ومجاملات، أطاحت بالمعارضة بدلاً من أن تحميها وتساندها.


بعض المصادر قدرت حجم المعارضة لوحدها -خلافاً للجالية الإيرانية التي استوطنت وعاشت هناك- بأكثر من مئة ألف معارض يعيشون بين أمريكا وأوروبا، وهؤلاء ليسوا من مجاهدي خلق الجناح المعارض الأكثر خشونة في التعامل مع النظام الإيراني الإرهابي الذي لاحقهم في أوروبا وأمريكا الجنوبية وقتلهم واختطفهم.

اليوم وعلى الرغم من أن خامنئي وقاسم سليماني -الذي قضى بسبب أفعاله الإرهابية- وكل القيادات والأجنحة يعملون كتنظيم إرهابي خارج النظام الدولي، ولا يشكلون دولة تؤمن بالقانون ولا تتعامل مع المؤسسات الدولية بروح التعاون، ومع ذلك لا نلمس غضباً ضدها ولا حتى عتاباً أو تحفظاً غربياً من أي نوع، فلا تقارير تخرج من مؤسسات حقوقية ضدها، ولا البرلمان الأوروبي يوبخها أو يعقد اجتماعاً لمناقشة واحدة من جرائمها الكبرى، ولا عضو كونغرس أمريكي يحيل مشروع قرار ضدها، وكأن طهران هي السويد أو سويسرا، واحة غناء للسلام تصنع الحياة وتبث الفرح، وكأن من يمارس الإرهاب والقتل في سوريا والعراق على الهوية الدينية والعرقية والمرجعية السياسية دولة من المريخ، ومن يحتل بيروت وصنعاء وصعدة كائنات فضائية قادمة من عطارد، غريب أمر هذا الغرب (المنافق) الذي يتعامل بوجهين خشن مع حلفائه، رقيق لين داعم مع الإيرانيين أعداء الإنسانية.

وعودة لموضوع المعارضة الإيرانية التي بنت طوال السنوات الماضية أدبيات ومشاريع حقيقية لامست حق المواطن الإيراني والأقليات التي تعاني أشد المعاناة من نظام لا يتعامل مع مخالفيه إلا بالقتل والإرهاب، نتساءل أين هي اليوم ولماذا لا نراهم على شاشات السي إن إن، والبي بي سي وفرانس 24، ولا على صفحات النيويورك تايمز والواشنطن بوست وغيرها من منصات اليسار الغربية التي تُصبحنا وتُمسي العالم كل يوم بكلامها عن حقوق الإنسان والأقليات والنساء... إلخ، بينما يدعم أي شاذ وشاذة وأي إرهابي خريج للقاعدة وداعش عند انخراطه في مشروع معاد لبلد مسالم صانع للحياة كالمملكة، هل طهران ومشهد والأهواز ودمشق وبيروت وصنعاء خارج اهتماماتهم أم أنهم أقل بشرية من سواهم.

الغرب المنافق لا يدافع عن حقوق الإنسان وإلا لكانت طهران اليوم تحت الانتداب الدولي بعد أربعين عاماً من الحروب والقتل والإرهاب والاغتيال وملاحقة المعارضين في عواصم العالم، والعمل على حماية المدنيين الإيرانيين من بطش الطغمة الحاكمة، الغرب يرى في الإيرانيين شركاء، يشاركونهم حلمهم لاحتلال إقليم الشرق الأوسط وفرض أجندتهم ووصايتهم وقيمهم وأخلاقهم عليه، ولا يرى في الإيرانيين أعداء أو خصوماً أو صانعين للفتن والحروب، وما تغييب المعارضة الإيرانية قسراً وحجب قضايا حقوق الإنسان في إيران إلا دليل على تواطؤ الغرب حكومات وبرلمانات ومنظمات وإعلاماً مع حكومة طهران.

كاتب سعودي

massaaed@