-A +A
فؤاد مصطفى عزب
كان خبر وفاة ابنة عنيزة البارة الأستاذة والمربية (فاطمة صالح التركي) كانهدام مئة بناية دفعة واحدة، ففاطمة -رحمة الله عليها- تنتمي إلى عائلة مثل مصباح منير متدلٍّ من عمود، يعرف لماذا ولمن يضيء، أسرة عرفت كيف ترسل في الهواء عطرها، بيت بابه دائماً مشرع لفعل الخير، ولمن لا يعرف عمن أكتب اليوم، فإنني أكتب عن امرأة اتهمها البعض يوماً، بأنها تحرض النساء في (عنيزة) على الخروج من المنزل ومزاولة العمل، شنت عليها حرب شنيعة من بعض الأهالي، غير أنها كانت وهي تعبر الممر الطويل الصعب، كانت تحمل في حقيبتها، العزيمة والصبر والتعقل وحتى انحسر الدخان، حقل أخضر بذره في الأرض، وحصاده في السماء، أصبحت فاطمة، ونشيد عالٍ يتردد على الطريق الطويل، بينها وبين الصمت شبه نادر، فهي لا تفصح يدها اليسرى عما تفعله يدها اليمنى، امرأة حملت هموم المحتاجين، والضعفاء، والفقراء والأرامل، وابن السبيل، كل صباح كانت تأخذ مكانها بعناية بين السائرين، تحدق مليئاً بالوجوه علها تختلس وجها محتاجا، تختصر من أجل هؤلاء الليل لتحمل الصباح، وصباحها شاق وليلها طويل، وحتى ليلها كانت تملؤه بالأحلام الطيبة، لا تخذلها أحلامها، فمن يخذل حلمه يخذله، وقد كان حلمها أن تؤسس جمعية نسائية في ((عنيزة) وبرباطة جأش تحسد عليها، خططت وبعد مقاومة كل التشويه والغباوات الكبرى، خططت كما يحدث في قاعات الاجتماعات الرصينة في السينما.. في الحياة، وبنظرة أوسع من جبل، وبصوت يشبه احتكاك الماس على الزجاج، أعلنت عن (قطرة) وقطرة كانت أكبر من بحر، ساندت بها الأسر المحتاجة، ومن (قطرة) انبثق مصنع الفحم الذي استقطب العديد من السيدات للعمل، كما انبثق بعد ذلك عن هذه الجمعية برنامج (مشكور) لحفظ الأطعمة الفائضة في المناسبات التي تقام في المجتمع، وتتولى تعبئتها ونقلها وتقديمها للأسر المحتاجة، أطلق عليها محافظ عنيزة (فاطمة التركي عن ألف رجل) مقولة سرت كالكتابة المطبوعة على الـ((تي..شيرت) انتشرت في عنيزة، كالمناديل الملونة، امرأة كانت باباً كبيراً من يدخله لا يعود، فرداً كان أم جماعة، كانت توسع طريقهم برائحة الينابيع، وتكسوهم بالأضواء، وتطعمهم لوزاً وزبيبا وتسقيهم ماء ورد، كانت تذهب للكهوف المنسية، حيث يكون عنوان الفقر والحاجة، تفتش فيها عن الأرامل والمطلقات واليتامى، كالأم التي ترتدي رداء الرحمة في ليالي الشتاء، تتوكأ على عصا، وتحمل شمعة، تبحث عن صغارها، فعلاً بعض البشر، أشجار أغصانها مثمرة بالكرم الرحيم، وجذورها تضرب عميقاً في الخير، كانت -رحمة الله عليها- شمعة كلما اشتد الظلام تضاعف حماسها، ولطالما هادنت الليل وتملقت له من أجل حلم، أي حلم جميل، وكانت تصحو وتسعى لتحقيق هذا الحلم، لا وقت لديها للتراجع، تقدم كل السبل، والطرق، وتطوي الخطى، إذ لا خطوة بلا طريق، وكانت هي الخطوة والطريق، كانت لا تكتفي بأن تعطي تلك الأسر سمكة، بل وتمنحها سنارة وتعلمها الصيد، فهي من ابتدعت مفهوم الأسر المنتجة في عنيزة، وهي من تنازلت عن منزلها ليكون مقرا للعمل الخيري، كانت امرأة تشيل الخير على ظهرها وتمشي، تقطر ماساً وعسلاً وحلماً جميلاً وخيراً كثيرا، نديه كحزمة نعناع، وشفافة كجناح ملاك، لقد اعتزل القلب الرحيم في الأيام الماضية الحياة، ماتت بنت عنيزة البارة (فاطمة صالح التركي) وتوقف الكلام عن الكلام، مال العسجد على التراب، لا أعلم من له القدرة على أن يسدل التراب على ذلك الضوء.. ويبكي!!

كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com