-A +A
نجيب يماني
اجتاحت العالم بأسره جائحة ظالمة حبست الناس في منازلهم وباعدت من تقاربهم وغيّرت موازين حياتهم، لم تفرق بين غني أو فقير كبير أم صغير، وهي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، فالمسلمون يتعرضون إلى مصائب ومحن وكوارث، ونقص في الأنفس والأموال والثمرات، ولا تنفك المحن والكوارث تعصف بهم من وقت لآخر، كما أن هناك مصائب على مستوى الفرد تصيبه في نفسه أو ماله أو ولده. فهل يحق للمسلم أن يتأفف ويتذمر مما يصيبه في حياته، فقد سمعت البعض يتذمر ويسخط ويلعن كورونا وما سببته له؟

فالتذمر من علامات السخط وعدم الرضا بقضاء الله، وهو متعلق بفعل من أفعال الله، فيكون من المحظور المخالف لما جاء به الشرع من تعليمات وتوجيهات، وفي القرآن آيات تذم وتستقبح السخط والتأفف والتذمر من أحكام الله وقضائه وقدره، وتمتدح الرضا والصبر وتبشر صاحبه بجزاء وفاق، يقول تعالى: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون).

فهذا هو الواجب في حق المؤمنين إذا أصابتهم مصيبة من المصائب، فليس من حقهم التأفف والتذمر، فهذا أمر قبيح مذموم.

ولقد نهى الله سبحانه وتعالى الأبناء عن التأفف من الوالدين (ولا تقل لهما أف ...) فإذا كان التأفف والتذمر أمراً مذموماً وقبيحاً في حق الوالدين فمن باب أولى لا يجوز في حق الله الفعال في كل الأمور والأحوال!

وقصة يونس ابن متى الذي ذهب مغاضباً وظن أن الله لن يقدرعليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين عندما ألقاه الناس من السفينة إلى عرض البحر ثم ابتلعه الحوت، أو ليس هذا بكارثة ومصيبة في حق هذا النبي الرسول؟!

فهل أبدى تأففه وسخطه وتذمره من فعل الله به، لم يفعل، بل ظل في الظلمات وهو في بطن الحوت يعلن رضاه بقضاء الله وقدره وظل يدعو دعاءه الذي وصفه الرسول عليه الصلاة والسلام بأن من أقرب ما يدعو الله به المرء عند وقوعه في الضر والمصائب وهو قوله: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين).

فليس التأفف والتذمر من المصائب والكوارث وفقد الأحبة طبيعة جبل عليها الإنسان، فهذا مخالف لما جاء في كتاب الله من الآيات التي تدل على أن الإنسان مجبول عند المصائب والنوازل التوجه إلى الله بالدعاء والتضرع إليه، كما قال تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون)؟، وقال تعالى: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه). وقال تعالى: (وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً...). وقال تعالى: (ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون). وقال تعالى: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه..)

بل حتى المشركون الذين يدعون مع الله إلهاً آخر فإنهم في البأساء والضراء ينسون شركاءهم ويلجأون إلى الله وحده بالدعاء، كما قال تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين. بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء).

كل هذه الآيات تدل على أن ما جبل عليه الإنسان عند نزول المصائب هو اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى.

أما وإن قام البعض بالتأفف والتذمر مما حل بهم فهذا يكون من الأفعال المكتسبة القبيحة المذمومة وليس مما جبلت عليه طبيعة الإنسان، فالناس يولدون وفي جبلتهم وطبعهم الإيمان بالله وحده كما قال عليه الصلاة والسلام: ( فأبواه يمجسانه أو يهودانه).

وفي القرآن آيات تمتدح تضرع الإنسان إلى ربه عند المصائب، بقوله تعالى: (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس). وقوله تعالى: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم). وهذا دليل أيضاً على أن التذمر والتأفف وعدم اللجوء إلى الله إنما هو من قسوة القلوب وعمي البصيرة والبعد عن الله.

يقول الحق ممتدحاً الصابرين: (واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور)، وقال تعالى: (..وبشر الصابرين). وقال تعالى: (والصابرين على ما أصابهم). وقال تعالى (فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون).

ومن الأحاديث في ذم التذمر والتأفف من قضاء الله وقدره ذلك الحديث القدسي ــ (ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة سموه بيت الحمد)، في قصة رجل قبض الله روح ابنه وفلذة كبده فما كان منه إلا أن حمد الله وأثنى عليه ورضي بقضائه وقدره فجزاه الله خير الجزاء.

واليوم نحن أسرى كورونا وجب علينا الشكر على هذه النعمة وعدم التذمر من قعدة البيت ولا نكون مثل قوم سبأ الذين ملوا النعم وتذمروا منها فأصبحوا عبرة لغيرهم، وبنو إسرائيل الذين تذمروا من طعام واحد يأتي إليهم فتذمروا فضرب الله عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله.

فالتذمر والتأفف من قضاء الله وقدره أمر قبيح ومذموم ومخالف لما شرعه الله لعباده من السلوك والتصرفات وما جبل عليه من التوجه إلى الله سبحانه وتعالى والتضرع إليه.

وقر في قلب المسلم وعقله أن هذه الكوارث سواء أكانت فردية أو جماعية هي من فعل الله وتقديره وليس عقاباً من عنده بل هي قضاء وقدر، فلا ينبغي لأحد من البشر التجرؤ على تأويل المصائب حسب رؤيته وهواه، فيتقوّل على الخالق بالباطل (ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون) (والذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون)، فلنحمد الله في السراء والضراء ولا نتجرأ على الخالق في معرفة نيته والتدخل في خصوصياته والقول إن هذه المصائب والمحن إنما هي عقاب من الله ينزله على خلقه لمعاصيهم أو انحرافهم.

هناك أطفال ونساء وشيوخ ومخلوقات ضعاف أصابهم المرض وأطباء وممرضون وممرضات يكافحون بصبر وأناة لعلاج الآخرين، استباح البعض لنفسه القول بكل خسة ودناءة بأن كورونا وما نحن فيه بما كسبت أيدينا، رحم الله البشرية من هذه الجائحة وأثابهم على صبرهم خيراً جزيلاً.

كاتب سعودي

nyamanie@hotmail.com