-A +A
أسامة يماني
التواصل الديني الاجتماعي عن بُعد أصبحنا نمارسه في كثير من أمورنا الحياتية، باستخدام الوسائط التكنولوجية. ومن الناحية الدينية الشكلية، فالمصحف لم يعد مكتوباً كما كان في ورق أو جلد أو على سبورة، بل أصبح القرآن أيضاً موجوداً من خلال تطبيق إلكتروني افتراضي تُنزله على جوالك.

ومع أن هذا التطبيق في الجوال الذي يحمله الفرد فإن الجوال لا يُعتبر مصحفاً مطهراً لا يجوز الدخول به في دورة المياه.


أشياء عديدة دينية واجتماعية أصبحت تُمارس بواسطة الفضاء الافتراضي. البيع والشراء لم يعد بالشكل الذي كان يراه علماؤنا الأفاضل في العصور الوسطى، وحتى وقت قريب، وهو أن البيع يجب أن يكون في إحدى صوره يداً بيد، وفي مجلس البيع، بل أصبح البيع والشراء يتم اليوم من خلال الفضاء الإلكتروني.

رفض التجديد والاعتراف بالواقع وعدم التعامل معه، يجب أن لا يُكرره أهل الاختصاص، فقد حُرم في السابق شرب القهوة، وعوقب شاربوها وشُهر بهم، ووصل الأمر إلى حد القتل كما تُشير إلى ذلك بعض الكتب التاريخية.

فتوى تحريم المطبعة استمر العمل بها لقرنين من الزمن تقريباً، الأمر الذي كان سبباً في تأخر العالم الإسلامي، وأدخلنا في ثبات ونوم عميق حتى تاريخه للأسف الشديد.

اليوم نشهد طفرة وتطوراً بفضل من الله وبقرار من القيادة الرشيدة التي ضربت بيد من حديد على المتشددين والمتاجرين باسم الدين الذين يحرمون ما أحل الله. ولولا ذلك لضعنا، وخاصة أن الأعداء تكالبوا علينا.

لهذا عدم قبول الجديد جعل البعض يفتي باعتبار مياه الصنبور بدعة وضلالة ولا تصلح هذه المياه للوضوء. كما كَفر البعض الآخر القائل بكروية الأرض.

نخلص من ذلك، أن أخطاء الماضي ووقوف أغلب رجال الدين في وجه كل جديد عبر العصور كما هو ثابت من خلال المراجع المُعتبرة، جعل المجتمعات التي تحت قبضتهم تدفع ثمناً باهظاً في صحتها وأمنها ومُستقبلها ورخائها وازدهارها.

لا نستطيع الذهاب للمستقبل بعقلية القياس الفاسد ولا برفض المتغيرات الجديدة، وخير دليل نضربه مثلاً لذلك، أن التوثيق والشهادة والكتابة المعتادة لم تعد كما كان يجري عليها العمل في السابق من ضرورة إحضار شهود ومزكين، واختلفت الإجراءات الحالية عن ما كان يجري العمل به في السابق، فأصبح التوثيق وإصدار صكوك الملكية والأحكام القضائية تتم إلكترونياً بالبصمة الإلكترونية، وبرقم بطاقة الأحوال المدنية، ومن بعد، وتم التخلص من الورق من خلال اعتماد التوثيق الإلكتروني.

التيسير والتطوير ومواكبة العصر وتحقيق المقصود والهدف لا يشترط شكلاً معيناً، فقد تطورت الحياة واختلفت أشكالها.

في الحروب الحديثة تختلفت صلاة الخوف عن الشكل السابق الذي كان جميع أفراد الجيش يؤدونها بكيفية معلومة، ولكن الآن طبيعة الأسلحة الحديثة غيرت وفرضت واقعاً آخر.

لا يصح القياس الضيق وعلينا أن نعود للغاية المرجوة من العمل أو الفعل، ولنا في حجة علي بن أبي طالب في نيته بالحج كرسول الله عن بعد دليل على عدم شرط وجود المقتدي بالمُقتدى به في نفس المكان.

الغاية من العبادات أن تُزكي النفس الإنسانية وتُصقلها، وتوثق صلة الإنسان بخالقه، وتوثق صلته بالناس واتباع الخلق الحسن، فغاية الصلاة أن تنهى المسلم عن الفحشاء والمنكر.

والسؤال المطروح: هل نستطيع تحقيق تلك الغايات من خلال التواصل عن بعد؟ وإذا كان الجواب بنعم، فنحن في حاجة ماسة لسرعة النظر في هذه المستجدات والتعامل معها، لأنه الواقع الجديد الذي لا يُمكن تجاوزه.

* كاتب سعودي

‏yamani.osama@gmail.com