ربما يكون هذا الاستفهام العجيب هو حصيلة ذلك المواطن العادي الذي قصد المحكمة منذ الصباح الباكر والأمل يحدوه باستعادة حقه المشروع الذي استولى عليه خصمه اللدود بدون وجه حق، لكنه مثل كل مرة يذهب فيها إلى المحكمة يعود بخفي حنين وليس في جعبته سوى هذا السؤال الملح، وهو ما يعني بأنه كان ينتظر على الأقل ما يطمئنه ويبعث الارتياح في نفسه ولو برد سلامه فقط بعد أن ضاقت به كل الوسائل والسبل، ومع أن إلقاء السلام سنة ورده واجب، إلا أن الناس بالفعل لازالت تتساءل باستغراب : لماذا لا يرد القاضي السلام !؟
لقد شهد القضاء بشكل عام خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا سواء من ناحية إنشاء المقار الجديدة للمحاكم وكتابات العدل في مختلف المناطق والمحافظات بالمملكة، أو من ناحية التقنية والحكومة الإلكترونية أو حتى من ناحية ضخ دماء جديدة وقضاة شباب مؤهلين وأكثر التزاما، عطفا على الدور الهائل الذي تقوم به دوائر التنفيذ التي أعادت للأحكام القضائية بعضا من هيبتها، إلى جانب الدور الرقابي الذي بات يمارس على القضاة لرصد تجاوزاتهم والرفع بشأنهم للمجلس الأعلى للقضاء حتى بدأنا نسمع عن إعفاء عدد من القضاة لمخالفاتهم التعليمات الخاصة بواجباتهم الوظيفة أو غيابهم عن العمل أو لثبوت تورط أحدهم بقضية فساد !!
قبل أيام كان عندي موعد جلسة أمام المحكمة الإدارية، وحين حضرت في الموعد المحدد الساعة الحادية عشرة وجدت قاعة الجلسات والطرقة المؤدية إليها مليئة عن آخرها، فتشت عن اسم موكلتي في الجدول وبالكاد استدللت عليه لوجود أكثر من خمسين قضية بالقائمة، يا الله ــ قلتها بكل حسرة ــ على كذا ما راح يجي دوري إلا نهاية الدوام وأنا ورايه ألف شغلة وشغلة، قبل صلاة الظهر كانت الدائرة برئيسها الشاب وعضويها قد انتهت من نظر أغلب القضايا بما فيها قضيتي، كانت الجلسات تسير بسرعة وسلاسة متناهية وقد لفت انتباهي أداء القاضي الذي كان يناقش كل قضية مع طرفيها وبالمختصر المفيد (سؤال ورد غطاه) دون السماح بالتأجيل مرددا بأن الدائرة اطمأنت للمستندات المقدمة ورفعت القضية للمداولة وسيتم تلاوة الحكم بعد قليل!!
مع هذا كله ، أرى بأن تطوير القضاء لن يبرز أمام المواطن العادي إلا بإيصال الجهود المبذولة إليه حتى يلمس نتائجها الواقعية بنفسه وعلى مستوى تفكيره ، فبمجرد خروجي من القاعة منتشيا سألت أحد الحضور عن انطباعه حول النقلة النوعية التي شاهدها للتو في مرفق القضاء، فرد علي متجهما : كيف يعني ؟! فأعدت السؤال بالعامية ليجيبني : أي تطوير الله يصلحك إذا كان السلام ما رد عليه !؟ ومع أني غير مقتنع بالتبرير الذي يردده البعض حيال هذه المسألة إلا أنني حينها تبنيته وقلت له : يمكن القاضي يعتقد أنه سيحكم عليك ولهذا لم يرد السلام لأنه بذلك سيعطيك الأمان، ليجيبني بكل ثقة : بس اللي أعرفه، أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم !؟.