من البدهيات التي يعرفها كل مسلم أن صيام شهر رمضان يعد ركنا من أركان الإسلام ولا يصح إيمان المرء إلا بصيامه، ولا أعتقد أن مسلما يجادل في هذه البدهية، ومن البدهيات التي أراها - كما يراها غيري - أن عامة المسلمين يفرحون بدخول شهر رمضان، ويعبرون عن هذا الفرح بطرق متعددة ومتنوعة بحسب بلدانهم وأعرافهم وتقاليدهم، ولكن الشيء المهم الذي يختلفون فيه هو مقدار احترامهم لهذا الشهر وكيفية تعبيرهم عن هذا الاحترام.
الأحاديث التي تحدثت عن رمضان وفضل صيامه كثيرة، كما أن القرآن الكريم ذكر شيئا من ذلك في عدد من آياته، ففي القرآن نقرأ قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، وفي الحديث الشريف نقرأ قول رسولنا الكريم: (أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم)، وفي الحديث الآخر: (ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم)، ففكرة الصيام ليست محل اختلاف وإنما الاختلاف هو فكرة الاحترام!!
في أعرافنا - وربما أعراف غيرنا - أن لكبار السن احتراما خاصا يُعبر عنه بعدة طرق، وللآباء احتراما خاصا كذلك ؛ فالابن - مثلا - الذي يدخن يمتنع عن التدخين أمام والده احتراما له، ويحاول جاهدا أن يبدو بصورة مثالية أمامه، وهكذا نجد للملوك والزعماء احتراما مماثلا، هذا العرف نعرفه ونشاهده فإذا كان للعباد احترام خاص نبديه أمامهم أفلا يكون لرب العباد احترام يليق به ؟ ومن البدهيات أن احترام رمضان وتعاليمه هو احترام لله عز وجل وأوامره.
رمضان ليس شهرا للصيام عن الطعام والشراب فقط لكنه شهر يجب فعل أشياء أخرى فيه لا تقل أهمية عن الامتناع عن الطعام والشراب، فالرسول ذكر (اللغو والرفث) وهو كل فعل قبيح مهما كان نوعه، كما أشار إلى أهمية الخلق الحسن في التعامل مع الآخرين ؛ فلا يجوز مبادلة السيئة بمثلها بل تبادل بالقول الحسن والخلق الرفيع لأنه أدعى الى تماسك المجتمع وتلاحم أفراده، ونشر التعامل الحسن بين الجميع.
واحترام رمضان لا يتم إلا بالامتناع عن كل ما يسيء إليه من قول أو فعل أو ممارسة لا تليق به؛ ومن ذلك النوم سائر النهار وربما تفوت النائم بعض الصلوات في أوقاتها، وكذلك السهر سائر الليل وعلى أشياء لا تليق بمكانة الشهر ولا باحترامه، فالذي يقضي ليله في متابعة المسلسلات التلفزيونية - وأغلبها للأسف سيئة - لا يحترم رمضان ؛ وإذا كان أطفاله يشاركونه المشاهدة - وهم أكثر تأثرا بما يشاهدون - عندها يكون احترامه لرمضان في أدنى حالاته، وذلك أن من احترام رمضان أن لا تقضيه في غير طاعة الله واحترام تعاليمه، وفي ليل رمضان الشيء الكثير مما لو قام به الصائم لن يجد وقتا لسواه.
ومن احترام رمضان محاولة إدخال السعادة على الآخرين ؛ ففي المجتمع من حولنا فقراء ومرضى وأرامل وأيتام وهؤلاء لهم حق علينا وكل بحسب قدرته واستطاعته، فإذا كان المبدأ الإسلامي أنه لا يجوز أن يأكل الإنسان وجاره جائع فمن باب أولى أن لا يكون ذلك في رمضان، وهكذا بالنسبة للمرضى المحتاجين لا يجوز تركهم يعانون قسوة المرض وآلام الحرمان وهناك من يقدر على تقديم العون لهم، وهذا الفعل وأمثاله نوع من احترام شهر رمضان لأننا بذلك نحترم أوامر الله وتعاليم نبيه الكريم، وأبواب الخير الأخرى كلها مفتوحة وعلى أوسع أبوابها في هذا الشهر الكريم، والتنافس في هذه الأبواب من أعظم الأعمال وأحبها إلى الله.
ومن احترام رمضان أن يكون قدوة للمسلم في غيره من الشهور، فليس من المعقول الامتناع عن الأشياء القبيحة في رمضان - مهما كان نوعها - ثم العودة إليها بعده مباشرة، فهناك الكثير الكثير مما ينبغي القيام به للعمل على إصلاح النفس وإصلاح المجتمع، وهذا النوع من الإصلاح جزء من العبادة يؤجر الفاعل عليها حتى وإن كان ما يقوم به عملا تجاريا خاصة إذا نوى بعمله الإصلاح والتقرب إلى الله بذلك.
رمضان مدرسة عظيمة في العمل والصبر والاحتساب والجهاد بكافة طرقه وفي تربية النفس وتهذيبها ولكن ذلك كله لا يتحقق إلا بفهم مقاصده واحترام تعاليمه.

malharfi@hotmail.com

للتواصل أرسل sms إلى 88548 الاتصالات ,636250 موبايلي, 738303 زين تبدأ بالرمز 213 مسافة ثم الرسالة