من المقرر أن يبدأ العمل العام القادم بالخطة التنموية الخمسية العاشرة. وهذا يعني أننا نعيش السنة الأخيرة من الخطة الخمسية التاسعة وأن 45 عاما من التخطيط التنموي مرت على بلادنا. ولا يعبر عن حال خططنا التنموية غير دعوات بعض الاقتصاديين لأعضاء مجلس الشورى الذين يناقشون الخطة العاشرة بالتوقف قليلا، والتحقق أولا من الأسباب التي أدت إلى تعثر خطط التنمية التسع السابقة في تحقيق أهدافها المعلنة والخاصة بالإسكان، والتوظيف، وتنويع القاعدة الإنتاجية.
وبفتح باب المناقشة في مسألة التنمية في المملكة وما تحقق وما لم يتحقق في ظل التخطيط المركزي يمكن أن تنفتح جراح غائرة تنزف بالدم والأسى على حال التنمية التي أنفق عليها ما لا يقل عن 5 ترليون ريال على مدى 45 عاما. والإجابات على التساؤلات عن حال التنمية معلبة وجاهزة لمن يسأل من سكان المدن بأن إنفاقا كبيرا يذهب إلى الأرياف وأن المدن ليست الهم الوحيد للمخططين والمنفذين، وإذا ما كان التساؤل من أهل الأرياف تأتيهم نفس الإجابة معكوسة.
ويسجل لخادم الحرمين الشريفين بأنه بدأ عهده بزيارات للمناطق وإرساء قواعد إنتاجية رئيسية هي الان قيد الإنشاء وذلك لتعزيز إمكانات النمو المستدام لكل منطقة إدارية.
ولكن التزام خادم الحرمين الاستراتيجي بتنمية المناطق والأرياف لا يعني بأي حال من الأحوال السماح للمسؤولين عن الشأن الريفي بالاسترخاء بانتظار اكتمال المشاريع الكبرى وفي مقدمتها المدن الاقتصادية. فهذه المشاريع ذاتها تحتاج إلى مشاريع مساندة صغيرة لتحسين حياة الناس اليومية من ناحية وتسهيل الاستفادة منها عند اكتمالها من ناحية أخرى.
وكأنموذج لواقع الحال، أغراني أحد الأصدقاء لقضاء يوم في بادية الشلالحة بين جدة والمدينة المنورة للاستمتاع بمرأى الغدران وجداول المياه الجميلة المنسابة بين الجبال وقطعان الإبل والأغنام في مراعيها (وشذى نبت الخزامى في وطاها). فاستجبت مع بعض الأصدقاء لإلحاحه وذهبنا لقضاء يوم في تلك البادية. والشلالحة فرع من قبيلة مطير ومفردهم شلاح أو شالح ويتصل نسبهم ببني عبدالله بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. واشتهر منهم رجال كثيرون من أحبهم لقلوب الناس حاضرة وبادية (محمد بن شلاح المطيري) رحمه الله الذي ولد معه برنامج (مضارب البادية) ومعه مات.
وكانت المفاجأة عند الوصول أن لا ربيع ولا جداول ماء رقراقة بل لا وجود للماء أصلا. أما الإبل والأغنام التي رأيناها فقد كانت تنتصب صهاريج السقاية بجانب حظائرها وهو ما يعني أن تكلفة باهظة يتحملها المواطنون في توفير المياه لأنفسهم ولمواشيهم.
ليس هذا فحسب، فأول ما يقابلك في مدخل (الحمنة) حاضرة تلك البراري المحصورة بين جبال بركانية جرداء قاسية المظهر والمخبر مبنيان متقابلان ومتساويان بالمساحة تقريبا، أحدهما مكتوب عليه (مقر المحافظ) والآخر كتب عليه (المدرسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية) وذلك ما يدعوك للتساؤل عن السبب في تكديس الطلاب لعشرات السنين في مبنى واحد رغم توافر الأرض الخلاء ودون أدنى اهتمام بالجوانب التربوية والفروق السنية. أما بيوت القرية الفقيرة في المظهر والمخبر فلا يبدو أن تنمية وصلتها منذ ما لا يقل عن 50 عاما ولسان حالها يصرخ بأن خطط التنمية لم تعبر من هنا. وإذا ما تحدثنا عن شوارع الحمنة فتلك مسألة أخرى على قدر كبير من الخطورة، ويمكن تشبيهها بحقل كبير للألغام، فتلك الشوارع الضيقة وغير المزدوجة مجرفة وتتوسط العديد منها حفر غائرة تصل أعماق بعضها إلى أكثر من 10 أمتار، وكل ما فعلته الجهة المسؤولة لم يزد على وضع قطعة بلاستيكية حمراء واحدة أمام كل منها دون تحذير مكتوب أو مانع قوي أو تحويل للطريق، وويل لمن لا يتعامل مع تلك القطع بجدية أو يعرف سبب رميها في الطريق فسيفقد حياته وحياة ركاب السيارة التي يقودها.
طبعا لا تسأل عن حدائق أو متنزهات برية أو حتى أدنى مستوى للنظافة أو مكافحة للحشرات والآفات، فإذا ما حاولت أن تتناول وجبة غداء تحت ظل شجرة فتأكد بأنك ستأكل ذبابا أكثر مما تأكل طعاما.
ولذلك أرجو فصل التنمية الريفية عن الخطط الخمسية وميزانيات الوزارات وإناطتها بهيئة ملكية خاصة تتوفر لديها الصلاحيات التخطيطية والتنفيذية المناسبة للتعامل مع التنمية الريفية بجدية وسرعة وفعالية. فحال الأرياف في بلادنا لا يسر. الأرياف في بلاد أخرى جمال وسرور ونزهة وراحة، وفي بلادنا تعاني حد أنني فكرت في اقتراح صرف (بدل) لمن يقبلون العيش في أريافنا .. واللـه والمستعان.
الشلالحة والتنمية الريفية
4 مارس 2014 - 19:37
|
آخر تحديث 4 مارس 2014 - 19:37
تابع قناة عكاظ على الواتساب