غداً يوم (الوقفة)، وبعد غد يوم (العيد)، ولا يسعني إلا أن أذكر الجميع بالمثل القائل: اللي يكذب يوم الوقفة، يسود وجهه نهار العيد.
والآن اسمحوا لي أن ألقي ضوءاً على أساليب وظروف الحج في عام 1904 وعام 1931.
ويقول أولا أمير الحج المصري عن انفلات الأمن بالحجاز أوائل القرن العشرين: إن الطريق بين جدة ومكة، وبينها وبين المدينة المنورة مضطرب جداً من كثرة الحوادث التي تعرض فيها الحجاج للقتل أو الجرح أو النهب أو السرق، ففي 17 ذي القعدة سطا العربان على قافلة كانت ــ ببحرة ــ بين جدة ومكة، فقتلوا من رجالها ونسائها أعداداً كثيرة وسلبوهم المتاع والنقود، والحلي، وليلة وصولنا إلى مكة حصل قتال بين قبيلتي حرب وهذيل للظفر بأكبر عدد من الحجاج، وكثرت إهانة المطوفين وأعوان شريف مكة للحجاج المصريين وأرغموهم على دفع الإعانة للسكة الحديدية الحجازية، وكانوا يحبسون من يمتنع عن دفعها، وقد امتلأت الكتابات في الصحف الإسلامية عن هذه الفوضى العارمة التي اجتاحت الأراضي المقدسة وقد كتبت جريدة اللواء وجريدة المؤيد ترويان تفاصيل تلك الحوادث وتشنعان على إدارة الحجاز، وربما تتهمانها بتحريض العربان على الحجاج عامة.
إلى درجة أن أمير الشعراء (أحمد شوقي) كتب في تلك السنة قصيدته المشهورة (ضج الحجيج)، ووجهها للسلطان العثماني، ويشير فيها إلى ما يتعرض له الحجاج من فظاعات ومظالم، ومن ضمن ما جاء فيها.
ضج الحجيج وضج البيت، والحرم
واستصرخت ربها في مكة الأمم
قد مسها في حماك الضر فاقض لها
خليفة الله أنت السيد الحكم
لك الربوع التي ريع الحجيج بها
أللشريف عليها، أم لك العلم؟
وما أن دخل الملك عبد العزيز الحجاز، وخلال سنة واحدة استتب الأمن، وأصبح الحاج يقطع الفيافي وحيداً قاصداً مكة دون أن يجرؤ أحد على التعرض له.
ويكتب (عبد الله فلبي) بعد أن أسلم عن أول حجة حجها عام 1931، ويضع أمامنا هذه الصورة (البانورامية) ويقول:
وما أن غربت الشمس حتى بدأ الموكب العظيم في النفرة من عرفات، وعندما تحركت في ركب الملك وأدرت لحاظي في المنظر: كان منظر الجمال هو الذي راعني، ففي الوادي الفسيح كله كانت صفوف الجمال وفيالقها هي التي استرعت انتباهي، لابد أن هناك ما لا يقل عن 50000 جمل كلها سائرة إلى الأمام في خطواتها السريعة الصامتة التي تميزت بها وسيلة النقل الرئيسية في الجزيرة العربية، وما أن ازداد الغسق، ارتفع الغبار من حفيف الأخفاف حتى بدأت فيالقنا تفقد واقعيتها وتبدو كأنها جنود البشائر السماوية تتحرك بصمت وخفة في الضوء الخافت وكان الجميع يدعون بالسر والعلن لعبد العزيز الذي هيأ لهم كل هذا (الأمن والأمان).