الحوار البنَّاء هو الذي يهتم بمصلحة الإنسان في المقام الأول، أهدافه دعم وترسيخ أسس الأمن والاستقرار والسلام والرخاء في المجتمعات البشرية، وحتى يُكتب له النجاح لابد أن يكون قائماً على المصارحة والشفافية للوصول إلى الأهداف المرجوة منه، وذلك يتطلب البحث عن أسباب سوء الفهم والأحكام المسبقة والأفكار الخاطئة لكل جانب عن الآخر، والعمل على بناء جسور من الثقة المتبادلة والفهم المشترك والاحترام المتبادل بين الطرفين، فلابد من توفر المناخ المناسب للحوار على أساس من الندية واحترام كل طرف للآخر، ليكون حواراً بناءً ونافعاً للطرفين، وإذا كان الهدف هو مصلحة الإنسان وخيره، فإن هناك أموراً عديدة ينبغي الاهتمام بها في أي حوار بناء، ومنها البحث عن صيغة فعالة للتعاون في مجال تعميق القيم الروحية والأخلاقية لإنقاذ الإنسان من المادية المفرطة التي جعلت منه عبداً للمال والمتعة المادية، كما لابد من التعاون في المحافظة على البناء الأسري، والتعاون على حماية المجتمع من التطرف والجريمة والمخدرات.. وأيضاً ضرورة التعاون للمحافظة على البيئة وحمايتها من العبث والتدمير، وكذلك توجيه البحوث العلمية لخدمة الإنسان ورفاهيته، بالإضافة إلى السعي لتصحيح التصورات الخاطئة عن كل طرف لدى الطرف الآخر.
الإسلام دين العقل والتبصر والتدبر، وتزخر آيات القرآن الكريم بدلائل كثيرة على ذلك منها على سبيل المثال «يعقلون».. «يبصرون».. «يتفكرون».. «أولو الألباب».. فلابد أن يتكاتف الجميع، وتشارك العقول الكبيرة في تحمل مسؤوليتها لخدمة دينها ومجتمعاتها.. وفي عصر ثورة التقنيات والمعلوماتية أصبح العالم قرية واحدة في إطار العولمة، وتهيمن الدول الكبرى على مجرى الأحداث والصراعات والحروب والأحداث في العالم. والحوار مع الآخر ضروري في هذه القرية الكونية مع مراعاة الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية والاحترام المتبادل والمرونة المقبولة. فمن الصعب لأي شعب في الوقت الحاضر أن يعيش في معزل عما يدور في العالم. والحوار بين أبناء الوطن والشعوب والحضارات يكون أساسه التعاون على الخير والابتعاد عن العدوان وذلك لرخاء الإنسانية. وحتى تعيش الشعوب فلابد لها من الاندماج في المجتمع الدولي حتى تكون عنصراً فعالاً لتواكب التطور والتقدم في جميع المجالات. وجوهر الإسلام يدعو إلى أمة وسط ترتكز على سمو الأخلاق ويسود فيها السلام والأمن والعدل والمساواة والتآخي.. وما يجب أن نقبله هو ما يعزز قيمنا وتطورنا ونمونا، وما يجب أن نرفضه هو ما يهدد ديننا وقيمنا وثوابتنا.. وينبغي أن تتحمل الشعوب العربية والإسلامية جميعاً أعباء هذه المسؤولية، وأن تبذل كل دولة ما بوسعها للوصول للغاية المنشودة وذلك للحفاظ على الأرواح والقيم والثوابت والتراث. إن الحوار مع الآخرين طريق صعب وشائك..
ويحدد لنا القرآن الكريم الأصول والثوابت التي يجب أن يبنى عليها الحوار، فقال الله سبحانه وتعالى: }ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن|، وتجاهل ذلك وإهماله تقصير في حق الأمة وحتى لا يترك المجال للآخرين من النيل والاستعداء على العرب والمسلمين لسوء فهمهم وجهالتهم بجوهر الإسلام وسماحته كما يحدث الآن فرغم أن المسلمين أقوياء بعقيدتهم ووحدتهم، مصداقاً لقوله تعالى: }إنما المؤمنون إخوة|، إلا أن ضعفنا جاء بعدما تم هدم هذه الأخوّة، ولهذا يجب على المسلمين أن يعيدوا بناء أنفسهم.
وتمتلك الأمة الإسلامية حضارة ومخزوناً تراثياً ضخماً، فإذا أردنا النهضة والتقدم، فإن علينا أن نعرف جوهر الإسلام العظيم، كما أننا بحاجة إلى رؤية عقلية متبصرة واعية لما يدور حولنا، وأن ندرك أن الاختلاف والمفارقة هي أساس العالم، وأن تكون لنا رؤيتنا وحضارتنا التي يمكن أن تسهم مع الآخرين في البناء والتعمير وتحسين العلاقات الإنسانية، وهذا يحتاج إلى أن نكون فاعلين لا مستقبلين، وأن نعي مدى التحدي وأن لكل مجتمع مشاكله، ولكن الحكمة في كيف نتعامل مع هذه المشاكل قبل تفاقمها وتحولها إلى كوارث!
ولله الحمد تكللت بالنجاح جهود خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله يحفظه الله التي تدعو إلى الحوار سواء في الوطن أو خارجه، ومنها مبادرته الحكيمة التي نتج عنها اتفاق مكة المكرمة لوقف اقتتال فتح وحماس، وحقن دماء أبناء الشعب الفلسطيني وتوحيد جهوده لتشكيل حكومة وحدة وطنية استجابة لقوله سبحانه وتعالى: }واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا|، وندعو الله أن يكتب النجاح لهذا الاتفاق..
وهذا أفضل دليل على أهمية الحوار البنَّاء، وما ينبغي أن تقتدي به الدول العربية والإسلامية لحل مشاكلها وصراعاتها قبل أن تتحول إلى أزمات لا يمكن حلها.
talzari@yahoo.com
الحوار البنَّاء
14 فبراير 2007 - 18:47
|
آخر تحديث 14 فبراير 2007 - 18:47
تابع قناة عكاظ على الواتساب
