لعل مفهوم الفقه, هو من أكثر المفاهيم قرباً إلى روح الدين, وجوهر الحضارة الإسلامية، فهو المفهوم الذي استعمله القرآن الكريم, لتحديد شكل العلاقة بالدين في قوله تعالى: (ليتفقهوا في الدين)، ولهذا ارتبطت عملية الاجتهاد في الشريعة الإسلامية بالفقه، بوصفها منهجية دقيقة ومتكاملة في تكوين المعرفة بالشريعة الإسلامية, وتحديد الموقف الشرعي حسب مقتضيات الحال في الزمان والمكان.
والفقه في حقله الدلالي, ليس مجرد المعرفة, فهو يشير أيضاً إلى عنصر الفهم، ونقصد بالمعرفة تلك التي تتصل بجانب العلم, ونقصد بالفهم ذلك الذي يتصل بجانب العقل، وبالتحليل المنطقي يمكن القول إن المعرفة تتصل بجانب التصورات، والفهم يتصل بجانب الخبرات, فالفقه إذن هو معرفة, وتعقل لهذه المعرفة.
القصد من هذه الفكرة, محاولة تفسير الاستعمالات الكثيرة لمصطلح الفقه, التي دخلت على حقول معرفية متعددة لها علاقة بالدراسات الإسلامية, وبالدراسات الإنسانية والاجتماعية، كالحديث عن: فقه التاريخ، وفقه الاقتصاد, وفقه السياسة, وفقه الحقوق, وفقه البيئة, وفقه الحياة, إلى فقه الواقع.. الخ، وهناك مؤلفات معاصرة منشورة بهذه العناوين وغيرها, وفي هذا السياق أيضاً, يأتي استعمال الفقه في مجال الحضارة، باطلاق تسمية: (الفقه الحضاري).
ومن الذين استعملوا هذه التسمية, الدكتور سيد دسوقي حسن في كتابه: (مقدمات في مشاريع البعث الحضاري), الصادر عام 1987م, الذي افتتحه بمقدمة عنوانها: (نفر الفقه الحضاري), دعا فيها علماء هذه الأمّة أن تنفر طائفة منهم ليتفرغوا لعملية الفقه الحضاري، كجزء جوهري من عملية الفقه الديني، ولينيروا للأمّة دربها فلا يختلط عليها الوافد باسم المعاصرة, ويسمي هذه المجموعة (نفر الفقه الحضاري), وهؤلاء النفر -حسب قوله- يجتمعون في ما بينهم للعمل الفكري. وقد توقف عند هذه التسمية وباهتمام كبير, عمر بهاء الدين الأميري في كتابه: (الإسلام وأزمة الحضارة الإنسانية في ضوء الفقه الحضاري), الصادر عام 1993م, حيث اعتبر أن تسمية (الفقه الحضاري), اصطلاح جديد لمنهج سديد في البحث والعلم والفهم والسلوك. وتوصل لهذا المفهوم، كما يقول، بعد تدريسه لمادة الحضارة الإسلامية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة فاس المغربية، في بداية الثمانينات من القرن العشرين, حيث اعتمد في استخلاص مادة محاضراته على المعطيات القرآنية والمعارف الإسلامية، فتوقف متأملاً في كلمة: (يفقهون) التي وردت في آيات عديدة كقوله تعالى: (قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون) سورة الأنعام, الآية 98ـ وقوله تعالى: (انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) سورة الأنعام, الآية 65ـ وتوصل إلى أن فقه الدين هو فقه الحياة، وهو عنده بالتالي الفقه الحضاري, الذي حدد له أربعة عناصر، هي:
1- الاستيعاب الحضاري للقضايا والقيم والأفكار من جميع الجوانب، ومن جهة أصلها وملابساتها، لتحقيق دقة البحث ورشد التخطيط وسلامة التصرف.
2- النظر الحضاري، وهو خصوص من عموم الاستيعاب لتعميقه وتنويره وترشيده، والجمع فيه بين الشمولية والدقة لإمداد البحث النظري والتطبيق العملي بضمانات الصحة والسداد.
3- الإدراك الحضاري، وهو حصيلة العنصرين السابقين، الاستيعاب والنظر لوضع القضية المدروسة في سلمها الصحيح ومرتبتها اللازمة.
4- السلوك الحضاري، لإخراج الفقه الحضاري من حيز البحث النظري وتكوين الخبرة والملكة الشخصية، إلى حيز الإفادة العملية فردياً وجماعياً، وبالتالي وضع المناهج الحضارية لسلوك الأفراد والجماعات والأمم, مستمدة من معطيات التجارب, وعبر الماضي, ومكابدة الحاضر، وذلك لتسديد المستقبل. كما تطرق الأميري لهذا المفهوم في مؤلفات أخرى, منها كتاب: (في الفقه الحضاري) وكتاب: (وسطية الإسلام في ضوء الفقه الحضاري).
almilad@almilad.org
الفقه الحضاري.. المعنى والأبعاد (2-1)
30 يناير 2007 - 19:48
|
آخر تحديث 30 يناير 2007 - 19:48
تابع قناة عكاظ على الواتساب

