في صبيا تحاول ان تمد معابر الفرح وأرجوحة النغم وتبحث عن صدى أغنية قديمة تكرس جماليات هذه المحافظة المغسولة بعبق الفل.. وتصورها كموطن للغواني «ناشرات الفل» ولكن ما ان تحط رحالك في رحابها الا و تقفز دمعة من عينيك علّها تكون جزءا من المواساة لهذه المدينة المتدثرة بعباءة التاريخ.. وذات الحواري الموغلة في القدم حوار لا ز الت تتذكر الوجوه المرتحلة الى الضفة الأخرى . حارات صبيا ليست مجرد أماكن تتسم بأزقتها الضيقة ومساكنها ذات الطراز القديم بل هي شواهد تحكي صورا وآثارا لا تزال مرتسمة على الجدران لا سيما آثار الادارسة في الحي الغربي أو حي البواصفة وكذلك تاريخ الموابلة في حي الخالدية ومرورا بالبيوت القديمة للشوافعة والخواجية وآل عاتي وآل باصهي والزكارية وآل نعمي والعقالية وآل مشاري وآل معافا وغيرها من الأسر والعوائل التي رسخت شواهد تاريخية لا تزال مختزلة في ذاكرة صبيا المدينة والحضارة والانسان.
في حي الخالدية تستقبلك أطلال بعض المباني القديمة فتحث الخطى باحثا عن أروقة تبل ظمأك عن الماضي التليد، وهناك تلتقي بالعم ضرار ذبالي الذي أوضح ان أهالي الحي القدامى اشتهروا بتربية الابل ومن أبرز معالمه حوض كبير كانت ترد اليه الابل العطشى.
فيما اوضح يحيى شرواني ان الحي كان في الماضي يشهد حفلات ما كان يسمى بالطهارة والختان حيث كانت تقام على قرع الطبول والاهازيج الشعبية مثل الزيفة والسيف والمعشي.اضاف ان المحتفلين كانوا يتبارزون بالسيوف والعصي وتستمر الاحتفالات لمدة ثلاثة أيام وفي اليوم الأخير تجرى عملية ختان الصبيان.
وفي الحي الغربي الذي شهد هذا الحي أول وحدة للكهرباء وأول مكتب للبريد وأول مكان للسجون يحدثنا عن هذه الآثار التاريخية الشيخ محمد سليمان قنوي حيث تعد أسرة آل القنوي من أوائل الأسر التي قطنت هذا الحي منذ أكثر من خمسين عاما وعرف جده الشيخ محمد قنوي بكونه شيخ شمل محافظة صبيا آنذاك وقد أثر عن الشيخ محمد القنوي رحمه الله عدالته ونزاهته وقوة شخصيته ورباطة جأشه في احقاق الحق واعادة المظالم الى أهلها وكان مجلسه عامرا بالوفود والاعيان ومن بينهم منصور الكودري وعمداء اسر الخواجية والزكارية والبواصفة وغيرهم ويتحدث «هادي قانوي في اشارة تاريخية الى ان محافظة صبيا تتكون من ستة احياء يطلق عليها اسم مراكز وهي على النحو التالي:
1- الحي الغربي ويطلق عليه (المركز الاسفل).
2- الحي الشمالي ويطلق عليه (المركز الشامي).
3- الحي الجنوبي ويطلق عليه (المركز اليماني).
4- الحي الشرقي ويطلق عليه (المركز الاعلى).
5- مركز الخواجية.
6- حي (حارة) منامة.
ولكل من هذه الاحياء تاريخها الموغل في القدم وآثارها التي لا تزال تفوح بأريج الماضي الجميل ولكل حي من هذه الاحياء الستة شيخ مسؤول عنه وهو فرد من افراد القبيلة البارزين يختاره أهل الحي لثقتهم فيه ويقوم الشيخ بشؤون القبيلة باستثناء القضايا الدينية والشرعية التي هي من اختصاص القضاة.
من جانبه يؤكد الباحث الأثري فيصل بن علي الطميحي ان آثار الادارسة التي لاتزال موجودة في عدد من احياء صبيا كالحي الغربي والشرقي وصبيا الجديدة تنسب الى الادريسي الذي حكم منطقة جازان في مطلع القرن الرابع عشر الهجري وبعض هذه الآثار لايزال بحالة جيدة والآخر يحتاج لمزيد من العناية والاهتمام وهي تعطي صورة جلية وواضحة عن الطراز العمراني الذي كان قائما في صبيا وطريقة البناء والزخرفة التي كانت متبعة آنذاك وتحديدا في البيت الحجري التهامي وكذلك المسجد الذي يتضح من بقاياه ان سقفه كان مغطى بجريد شجرة الدوم ومحمولا على اقواس محمولة بدورها على صفوف من الاعمدة الضخمة. الدكتور خالد بن ربيع الشافعي المدرس في كلية المعلمين بجازان يشير في حديثه الى دور الاحياء في بلورة مفاهيم جديدة في مجال الفكر والثقافة مما جعلها منارة من منارات العز المضيئة آنذاك كما أنه كانت لها آثار اقتصادية واجتماعية وثقافية ساهمت في انجاح حركة الناس داخل المحافظة وخارجها ووصل مداها للقبائل المجاورة وكانت حفاوتهم واقبالهم على النهل من مورد العلم والتنزه في روضة الثقافة والتمتع بدوحة الادب والثقافة التي نبعت من تلك الاحياء، اما الدكتور مجدي بن محمد خواجي استاذ الادب بجامعة الملك خالد فيقول اذا كانت الامكنة تستمد حيويتها من ذاكرة الماضي فإن صبيا تحتفل بهذه القيمة من خلال ما تحتويه في مخزونها التاريخي والحضاري من تداعيات الماضي الجميل الذي يبرز في أحيائها القديمة التي كانت عبارة عن عشش متناثرة وأزقة ملتوية مطعمة بروائح الفل والكادي التي كانت تفوح من «الروائح» المتناثرة في تلك الاحياء لا سيما في صبيا القديمة التي تجعلني اهز جذع الحنين للعودة اليها مثل طفل يلهو ويركض في تلك الازقة استلهم ملاعب الصبا، احاور الامكنة والوجوه، أتهجى ابجدية اللهو البريء وارتمي في احضان الماضي الذي اختطفته عجلة الحضارة والمدنية وابقت على اثاره شاهدة على عصر مضى ولم تبق منه سوى الاطلال والذكريات ومن الآثار التي لاتزال محفورة في ذاكرة هذه الاحياء يشير «جبريل باصهي» الى البيوت التي بنتها اسرة البواصفة التي تعود لأسرة «الباصهي» التي سكنت صبيا قديما وكانت مقراً لأول امارة تابعة للحكم السعودي في صبيا وتقع في الحي الذي ارتبط باسم الأسرة طويلا «حي البواصفة» والذي يقع في وسط المدينة القديمة.
ويتجه بنا قطار الذكريات للعبور شمالا نحو احياء نالت نصيبها من القدم حيث احياء «صليل» و«منامة» وهما من الأحياء التي لا تزال تفتقر الى الخدمات وبحاجة ماسة مثل بقية أحياء صبيا القديمة الى اعادة السفلتة وتوسعة شوارعها الضيقة والاهتمام بنظافة البيئة فيها والقضاء على النمط العشوائي السائد وصليل حي عليل حيث تتفشى ظاهرة سلبية تتمثل بكثرة الباعة الجائلين والى الجنوب من هذا الحي تبرز للعيان بيوت سكنية يغلب عليها الفوضى والعشوائية ومعظمها من الصفيح والخشب الذي لا يقوى على مجابهة المطر والريح.. والى جوار حي صليل وعلى بعد أمتار قليلة منه يوجد حي منامة الذي يشكو هو الآخر من عشوائية البناء وفوضى المجهولين ويشير «ناصر خرشاني» الى حاجة الحي الى السفلتة والاهتمام بجوانب النظافة والتخلص من النفايات والقضاء على ظاهرة المساكن العشوائية لا سيما في جنوب الحي..
ونواصل مسيرة البحث عن فضاءات الذكريات في احياء صبيا حيث نغير بوصلة الاتجاه جنوبا حيث احياء لها تاريخ «الزبارة» و«العروج» و«عكاش» لا تزال تحتفظ بذكريات الماضي الجميل حيث نلمح ذلك سريعا من خلال النمط المعماري القديم وأزقتها المفعمة بالحياة رغم ضيقها وازدحامها حتى تكاد يلتصق بعضها ببعض!!
ويناشد كل من «حمد شويهي» و«محمد عبدالله زكري» و«جابر عطيف» و«يحيى أبو طالب» و«حسن يابس» و«محمد حسن» الجهات المسؤولة لا سيما البلدية الاهتمام بهذه الاحياء ذات الكثافة السكانية العالية وسفلتة شوارع هذه الاحياء وانارتها ونتوقف أخيرا عند واحد من اقدم احياء صبيا وأعرقها يقع في الشمال من المحافظة عُرف ولا يزال باسم «المجديرة» والذي كان في الزمان القديم محجرا صحيا يُعزل فيه مرضى الجدري حتى لا تنتقل العدوى للآخرين ومنه اقتبس الحي مسماه من هذا الوباء الذي كان منتشرا قبل أكثر من تسعة عقود مضت في المدينة وهلك فيه خلق كثير والحي الآن يخطو بشكل متئدٍ نحو التمدن رغم الصعوبات التي تواجه مسيرة التخطيط الحضري فيه لا سيما وان الحي بأكمله يعد وقفا!!.
مساكن عشوائية و نفايات مكدسة
صبيا تاريخ في قبضة الاهمال
21 ديسمبر 2006 - 19:42
|
آخر تحديث 21 ديسمبر 2006 - 19:42
صبيا تاريخ في قبضة الاهمال
تابع قناة عكاظ على الواتساب
عبدالرحمن شار (صبيا)تصوير: عبدالله الشافعي