عرفتك شيخنا الوالد صالح بن عبدالرحمن الحصين، كما عرفك الكثير، رجل الزهد والصلاح، مؤثرا على نفسك، ومضحيا بالأعمال والمصالح الكثيرة؛ تلمسا للبراءة من الشبهات مهما صغرت؛ ما منحك مكانة كبرى لدى ولاة الأمر والعلماء والمسؤولين ورجال المال والأعمال والوجهاء والبسطاء والفقراء والمحتاجين في الوقت نفسه.
وما إن تسمع أذناك ذكر الراحل ــ تغمده الله بواسع رحمته ــ حتى تعود بك الذاكرة إلى شقراء، التي انطلق منها إلى دار التوحيد بروح وثابة، ليطوف بأسفاره رحلة علم وعمل طويلة، بدأت بالقاهرة، فالسربون، فالمدينة المنورة ثم مكة المكرمة، ليقدم لنا نبعا أصيلا من ينابيع المعرفة؛ ويصيغ رسالته التنويرية، في صمت وتؤدة، تلك الرسالة التي تشكل لنا والأجيال المقبلة نبراس هداية؛ ولتصنع منها أملا نحو عطاء ورفعة وطنهم.
أتذكر الآن بعد رحيلك للرفيق الأعلى، كيف عرفتك قبل مقابلتك؟ لأن الرجال، هم من يقدرون مكانتك ويحترمون شخصك، ويتخذونك قدوة لهم؛ فقد سمعت عن قصة اجتماع دعيت إليه على أعلى مستوى، وكان ما يميزك ــ رحمك الله ــ الالتزام بالمواعيد، ولكن طال الانتظار، وتعذر تدشين اللقاء خصوصا وأنت المحور الرئيس فيه، وحينما بدأ الاستفسار عن سبب تأخرك؛ تبين أنك كنت في سيارة أجرة متوقفة أمام إحدى بوابات الحراسة، حيث لم يسمح لها بالدخول، فهذا الرجل العظيم في قدره، البسيط في تواضعه ونبله، قد حكم عليه «التاكسي»!
كما عرفتك من خلال المفكر الإسلامي الراحل محمد أسد وطريقه إلى مكة، العاصمة المقدسة، والتي عشت فيها وكانت تعيش فيك، خصوصا بعدما أقنعك خادم الحرمين الشريفين الملك الصالح عبدالله بن عبدالعزيز، بكلمات قليلة وأمينة، لم تستطع بعدها إلا أن تلبي شرف مسؤولية الحرمين الشريفين، نزولا إلى رغبته ــ أمد الله في عمره ــ ونعلم كيف خدمت؟ وبماذا خدمت..؟ ولماذا خدمت؟
عرفتك أيضا، وعرفتني من خلال لقاءات قليلة، وكلمات أقل عندما تشرفت بحمل مسؤولية التربية والتعليم، وكيف كنت أجل مربٍ وأكبر معلمٍ؛ فكان حوارا ولقاءات مثرية، وإن أنس فلا أنسى أول لقاء جمعني مع منسوبي التربية والتعليم، وكان في رحاب مكة المكرمة، وكنت قد شرفت أبناءك وبناتك منسوبي التربية والتعليم بتواجدك وحوارك معهم عندما تحدثت عن الوطنية والقومية بفكر نير وعلم غزير وارتباطها بالإعلام وكبار المفكرين.
لقد كان حديثك في لقاءاتنا القليلة عن علماء غربيين أسلموا، مثل: محمد أسد، الذي كان إسلامه نتيجة لسنوات عدة من التجول في العالم الإسلامي والاختلاط بشعوبه، والتعمق في ثقافته، واطلاعه الواسع على تراثه بعد إجادته اللغة العربية والفارسية، مشيرا إلى روحه وتسامحه تجاه الآخر، ما جعله يتخلص بسهولة من انخداع الرجل الغربي وإساءة فهم الإسلام بسبب ما يراه من تخلف العالم الإسلامي. مشيدا بقيمته الفكرية وعمق تأملاته وقدرته على التحليل، وصرامته في التحيز للتفكير العقلاني، ومعارفه على علم النفس، ما جعلت تفسيره للظواهر يستحق احترام القارئ وإعجابه حتى ولو لم يتفق معه.
ولازلت أتذكر حديثك عن الجهود العالمية وأدوار كبار المفكرين الغربيين الرئيسة وأثرهم الإيجابي في صنع الحضارة العالمية من ناحية، والتمركز نحو الذات الوطنية والقومية من ناحية أخرى، وضربتم مثالا على ذلك بجهود وأفكار وشهرة بيتهوفن وديكارت، وغيرهما في هذا الخصوص.
وكل هذا لا يوازي مكانتك الكبيرة بوصفك عالم دين، واقتصاديا وقانونيا، أنعم الله عليه بالإيمان الصادق والنقي، حينما سخرت دورك في هذه الدنيا لدور أكبر في توصيل رسالة خادم الشريفين، للحوار والتواصل وقبول الآخر، التي آمن بها قائد الأمة، واستعان بهمتك من بين من ألهمه المولى، عز وجل، ليساعد في حمل مسؤوليتها وتوصيلها.
فعزائي للإمام الصالح بفقدان هذا الرجل الصالح، ولكل من تقبل معنى الحوار وتفهم قبول الآخر.. فكلنا ذاهبون، وستبقى لغة الحوار هي أمل الأجيال للتخاطب والتواصل والإيمان برسالتها، رسالة سلام للعالمين.
نسأل الله عز وجل أن يتغمد فقيد الوطن والأمة العلامة الشيخ صالح الحصين بواسع رحمته وأن يدخله في زمرة النبيين والصالحين والشهداء.
* وزير التربية والتعليم
والدنا الحصين كما عرفناك
20 مايو 2013 - 20:15
|
آخر تحديث 20 مايو 2013 - 20:15
تابع قناة عكاظ على الواتساب